تقارير - ماتريوشكا

الكاوبوي يتوعد.. البيك والباشا يردون!

ماتريوشكا نيوز

في عقلية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا تُدار السياسة الخارجية بوصفها نسيج تحالفات أخلاقية أو التزامات قانونية، بل سوق مصالح مفتوح، تُشترى فيه الولاءات وتُباع الأزمات وتُفكّك الدول كما تُفكّك الشركات المتعثرة، الرئيس ترامب لا يحب الأنظمة المستقرة، بل الأنظمة القابلة للإبتزاز. ولا يؤمن بالشعوب، بل بالنخب التي يمكن توظيفها لحظة الحاجة ثم التخلي عنها. من هنا، لا يمكن قراءة أي إصطفاف أمريكي  ولو كان غير معلن حول قوى المعارضة الإيرانية في الداخل الإيراني، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الحزب الليبرالي الأحوازي، خارج هذا الإطار البراغماتي القاسي الذي يتقن فيه الرئيس ترامب فن تحويل التناقضات الداخلية إلى أدوات ضغط كبرى، ففي لحظة تاريخية مشبعة بالتحولات الحادة، يتقاطع البيان الصادر عن الحزب الليبرالي الأحوازي مع تهديدات دونالد ترامب لإيران عند نقطة بالغة الحساسية: نقطة إستخدام الداخل كرافعة لإعادة تشكيل الإقليم. هذا التقاطع لا يمكن قراءته كحدث عابر أو تزامن لغوي، بل جزء من حُبكة سياسية إستخبارية أوسع، تُدار بعقلية الصفقة لا بمنطق المبادئ، وتُبنى على تفكيك البنى الصلبة للدول عبر شقوقها القومية وفجواتها الإجتماعية وآفاتها الإقتصادية.

منذ صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المشهد السياسي، بدا واضحاً أنه لا يتعامل مع الدول كوحدات سيادية ثابتة، بل كيانات قابلة لإعادة الهندسة وفق رؤيته. في هذا السياق، لا تُعرف إيران كدولة ذات نظام سياسي معادٍ فقط، بل كمنظومة مركبة تضم قوميات متعددة، وثروات هائلة، وموقعاُ جيوسياسياً حرجاً. هذه العناصر مجتمعة تجعلها هدفاً مثالياً لإستراتيجية “التفكيك من الداخل” التي تُغني عن الحرب المباشرة وتُنتج نتائج طويلة الأمد بأكلفة أقل، فالبيان الأحوازي، بلغته العابرة للقوميات، لا يخاطب الأحوازيين وحدهم، بل يسعى إلى بناء مظلة نضالية تشمل الكرد والبلوش والآذريين وحتى الفرس أنفسهم. هذه اللغة، التي تتجاوز الخطاب الإنفصالي الصرف، تتقاطع بذكاء مع الخطاب الغربي الذي يفضّل معارضة “جامعة” على حركات ضيقة قد تُربك الحسابات الدولية، من هنا يصبح الحزب الليبرالي الأحوازي بغض النظر عن حجمه الفعلي  أداة خطابية وسياسية قابلة للتوظيف ضمن سردية أكبر عنوانها: نظام ثيوقراطي خطر على شعبه وعلى العالم.

أما فيما خص تهديد الرئيس ترامب بحماية من “يتعرضون لإطلاق النار من المتظاهرين” العلني، ليس وعداً بالحماية بقدر ما هو إنذار سياسي للنظام الإيراني، ورسالة حث وتشجيع ضمنية للقوى المعارضة، ففي تصعيد غير مسبوق، أعلن الموساد رسمياً عن وجود قوات إسرائيلية داخل إيران، مؤكّداً إمتلاكها أسلحة والإستعداد لإستخدامها إذا واجه النظام الإيراني “المتظاهرين” بالقسوة، بالتوازي جرى تداول رسالة باللغة الفارسية موجّهة للمتظاهرين الأحوازيين تقول: “أنتم لستم وحدكم، ونحن معكم في الميدان أيضاً”. الرسالة لا تعد دعم معنوياً فحسب، بل أداة نفسية لإستنزاف النظام وخلق الشك داخل مفاصل القرار الإيراني بل أبعد من ذلك، فهي دعوة صريحة لعسكرة الإحتجاجات، ويرسل الإعلان الإسرائيلي إشارات مزدوجة: تهديد للسلطة وتشجيع للشارع. هذا التزامن يوضح إستراتيجية صراع ذكية: إستخدام الداخل كرافعة لإضعاف النظام، وخلق توازن نفسي إستراتيجي دون الإنخراط في مواجهة مسلحة مباشرة، ما يحوّل المعركة إلى حرب وعي وتأثير أكثر من كونها صراعاً في الميدان، فالرسالة تقول بوضوح: واشنطن تراقب، وتملك القدرة على تحويل أي قمع داخلي إلى عبء دولي على طهران، هنا يتجلى التفنن الترامبي في تفكيك الشعوب: لا عبر دعم ثورة شاملة، بل عبر تضخيم التناقضات الداخلية وتركها تتفاعل حتى الإنهاك، وأهداف الرئيس ترامب من هذا الإصطفاف غير المعلن متعددة الطبقات، أولها إسقاط النظام الإيراني أو دفعه إلى تغيير سلوكه دون خوض حرب إقليمية قد تُشعل الأسواق وتستنزف الحلفاء. ثانيها إعادة ضبط معادلة الطاقة، فالأحواز ليست مجرد قضية قومية، بل خزان نفطي إستراتيجي، وأي إضطراب فيها ينعكس مباشرة على قدرة إيران الإقتصادية وعلى توازنات السوق العالمية، ثالثها توجيه ضربة غير مباشرة لمحور الصين روسيا إيران، عبر إضعاف الحلقة الأكثر هشاشة داخلياً، لذلك فإن حُبكة الرئيس ترامب لا تقوم على تحرير الشعوب، بل على إعادة تشكيل المنطقة وفق منطق الصفقة والقوة الناعمة-الخشنة في آن واحد، من ينجو في هذه المعادلة هو من يدرك إن الخارج لا يمنح الحرية، بل يستخدم المطالب العادلة كأوراق تفاوض. يكتمل المشهد حين تتقاطع التصريحات الإسرائيلية والأميركية عند نقطة واحدة: الشارع الإيراني. وإعلان إيتمار بن غفير الصريح والعلني “للمتظاهرين الإيرانيين” باننا “نقف معكم”!، لا يمكن فصله عن مناخ سياسي أوسع تُدار فيه الإحتجاجات بوصفها ورقة ضغط دولية، لا قضية داخلية. وإذا ما عدنا ربطاً بالحدث كيف للرئيس دونالد ترامب أن يكتب أسفل صورة جورج دبل يو بوش في الممر الرئاسي في البيت الأبيض عبارة لافتة: “حرب العراق ما كان ينبغي لها أن تحدث”، وكأنها مراجعة أخلاقية متأخرة، لكنها في العمق رسالة سياسية إنتقائية، تستخدم مأساة العراق لا للإعتذار عنها، بل لتبرير أدوات جديدة أقل كلفة وأكثر خبثاً. المفارقة أن العراق، منذ الغزو الأميركي في العام 2003، لم يخرج من الفوضى بل إنهار وتفكك وفقد تماسكه السيادي، وهو المثال الحيّ على كيفية تحويل شعارات “حماية الشعوب” إلى أدواة الغرض منها تفكيك الدول. من هنا، يصبح تبنّي واشنطن العلني للمتظاهرين في إيران ليس فقط خرقاً واضحاً لمبدأ السيادة وعدم التدخل، بل عهراً لم يشهده عهداً، وأحد أخطر أشكال الإنتهاك للقانون الدولي والشرائع السماوية، مهما تم تأطيره بخطاب حقوقي. الأخطر من ذلك، أن إستمرار الخطاب الإيراني بلغة “الإنسانية المُفرطة” في مواجهة هذا النوع من التدخل لم يعد يخدم الأمن القومي الإيراني، بل يضعف قدرة الدولة على ضبط الشارع، خصوصاً بعد أن خرجت ورقة الردع النفسية من يدها عقب تصريح الرئيس ترامب، حين بات المحتجّ يشعر أن وراءه سند دولي يستند عليه وفوقه مظلة دولية تحميه. هنا تُختزل الدول فعلاً إلى مربعات على رقعة شطرنج، تُحرَّك فيها شرائح من الشعوب كبيادق، وتُستعاد فيها تجربة العراق لا كتحذير، بل كنموذج يُعاد إنتاجه بأدوات أنعم وأخطر. وإذا كانت إيران تريد الخروج من حلقة النار، فإن التحدي لم يعد أمنياً فقط، بل وجودي: كيف تستعيد الدولة قدرتها على إحتواء الشارع، قبل أن يتحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية؟ أما المستقبل، فسيكون مرهوناً بقدرة القوى الداخلية  ومنها الحزب الليبرالي الأحوازي على التحول من ورقة لعب في لعبة دولية إلى مشروع سياسي ناضج، يعرف كيف يستفيد من اللحظة دون أن يُبتلع فيها.

في المقابل، فإن الحديث عن دعم “جميع شياطين العالم” للحزب الأحوازي يعكس إدراكاً شعبياً لطبيعة اللعبة الدولية، لكنه إستخبارياً يحتاج إلى ضبط. الدعم الغربي، تاريخياً، ليس دعماً مطلقاً ولا أخلاقياً، بل وظيفي ومشروط. التجارب من العراق إلى أفغانستان تثبت أن واشنطن تتخلى عن حلفائها فور إنتهاء المهمة أو تغيّر الأولويات. هذا يعني أن أي حركة معارضة تُراهن بالكامل على الخارج دون إمتلاك مشروع وطني جامع، تخاطر بأن تتحول من لاعب إلى أداة، والأخطر في هذا المسار هو إحتمالية إنزلاق الصراع من كونه صراعاً سياسياً ضد نظام “إستبدادي” إلى صراع هوياتي مفتوح. تفكيك المركز قد يفتح الباب أمام فوضى ما بعد السقوط، حيث تتنازع القوى الداخلية على السلطة والثروة، وتتحول إيران من دولة مركزية قوية إلى ساحة صراعات مزمنة. هنا، لا يعود السؤال: هل سيسقط النظام؟ بل: ماذا سيولد من رحمه؟

من هذا المنطلق فإن رؤيتي للمرحلة المقبلة التصعيد التدريجي: ضغوط إقتصادية، إحتجاجات متفرقة، توظيف ملف القوميات في المحافل الدولية “أي دعم دولي لهذه التحركات كما الأقليات”، مع إستمرار واشنطن في سياسة “التهديد دون التدخل” وإبراز نفسها كما سبق لها ان فعلت مع سائر الإنقلابات أنها حمام السلام، فإذا فشل النظام الإيراني في إحتواء هذه الضغوط عبر إصلاحات حقيقية أو قمع فعّال، فقد نكون أمام أحد سيناريوهين: إما تفكك بطيء للدولة وتلاشي في قراراتها، أو إعادة إنتاج نظام جديد من قلب النظام الحالي أقل عدائية للخارج، لكنه ليس بالضرورة ديمقراطياً أو عادلاً للقوميات.

وأمام هذه التصورات وهذه الرؤية، فإن الحذر من عملية إغتيال كبيرة لرؤوس الهرم في إيران يجب أن تبقى قيد التنبه، لأن أمريكا ترامب من إختصاصاتها تحفيز “الولد لقتل أباه”، أميركا ترامب لا تترك أثر الدماء على يدها، بل تستخدم يداً من نفس فصيلة المغدور وتقتل بها، فدمى أمريكا قد كثرت وإنتشرت!

بعد التدخل السافر من الرئيس ترامب سارع مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى على الرد والتعليق وهما شمخاني ولاريجاني مههددين متوعدين لكن بلُطف! نعم إنه لُطف البقاء لا الفناء وهنا لابد من تذكير الأصدقاء في إيران بنقة مهمة وهي: حين إغتال ذات الرئيس ترامب الجنرال قاسم سليماني في بغداد العام 2023 وتحديداً في مثل هذا اليوم، فلو كان رد إيران بإستهداف عدة بارجات أمريكية أو عدة قواعد حساسة ومهمة في الخليج وقتل أكبر عدد ممكن من الأمريكان لما تجرأ اليوم وأطلق هذا التهديد! نعم.. فكما تحبون يا أصدقاء أن تسمعوا الإطراء فإسمعوا الإنتقاد كذلك، ولا داعي بتذكيركم بأنكم لو رديتم الرد الحاسم القاصم على مقتل ضيفكم إسماعيل هنية لما تجرأ الصهاينة على إغتيال السيد حسن نصرألله في بيروت!

على لاريجاني وشمخاني أن يقولوا لهذا الأرعن ومعه البلطجي نتنياهو: إصمتوا وإلا سنطالكم وأنتم في غرف نومكم ونقتلكم دون أن يرف لنا جفن، إصمتوا وإن تجرأتم على إطلاق رصاصة واحدة على بلدنا العظيم فسنحرق مواطنيكم وعسكرييكم أحياءاً ونقطع رؤوسهم كالخراف أينما ظفرناهم والخليج والعراق أمامنا ومخابراتنا تملأ كل الخليج والعراق من شماله الى جنوبه. فإن لا تتكلموا بهذه اللغة يا لاريجاني بيك وشمخاني باشا فإصمتوا!

حذاري من أن تحشدوا شارعاً مقابل شارع، وأن تصوبوا مظاهرات مؤيدة للنظام ضد مظاهرات الإسقاط هذا فخ لإسقاط قومي كاسح في قلب إيران لا تنزلقوا به!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى