صحافة وآراء

المليار الذهبي والعداء الهيكلي

مارلين موسى

في خضمّ التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم، برزت مصطلحات جديدة تعبّر عن صراع النفوذ بين الشرق والغرب، أبرزها ما بات يُعرف ب “المليار الذهبي” مصطلح أعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إحياءه في خطابه الأخير، عندما اتّهم الدول الغربية بأنها صمّمت النظام المالي الدولي لخدمة مصالحها وحدها، متجاهلة بقية شعوب الأرض، لكن خلف هذا التعبير، يختبئ ما هو أبعد من مجرد نقد اقتصادي، إنه إعلان غير مباشر عن عداء هيكلي بين نظامين عالميين: الأول غربي رأسمالي يحتكر أدوات الإنتاج والتمويل والتكنولوجيا، والثاني صاعد، تسعى فيه قوى مثل روسيا والصين إلى إعادة تشكيل قواعد اللعبة وفق توازنات جديدة.

مصطلح “المليار الذهبي” يشير إلى ما يقارب مليار نسمة يعيشون في الدول الصناعية الكبرى، الولايات المتحدة، كندا، أوروبا الغربية، اليابان، وأستراليا هي الكتلة التي تستحوذ على القسم الأكبر من الثروة العالمية، وبوتين يرى أن هذا “المليار” لا يمثّل مجرد سكان دول غنية، بل منظومة فكرية واقتصادية تُهيمن على مؤسسات التمويل الدولية، كصندوق النقد والبنك الدولي، وتُعيد صياغة حركة التجارة وفق مصالحها، حتى عندما يتعلّق الأمر بمعاناة الشعوب أو احتياجاتها الأساسية، ومن وجهة نظر الكرملين، فإن هذا النموذج لم يَعُد مجرّد تفاوت اقتصادي، بل أصبح أداةسيطرة سياسية تُستخدم لفرض العقوبات، واحتكار التكنولوجيا، والتحكم في مسارات الطاقة والموارد، في إطار ما يُعرف ب”الهيمنة الناعمة”.

ففي كلمته أمام مؤتمر برلماني روسي لاتيني، وصف بوتين النظام المصرفي الدولي بأنه مصمَّم لخدمة المليار الذهبي وقادته تحديدًا، وأضاف أن العلاقات المالية اليوم لا تحقق الربح إلا للدول التي وضعت قواعدها، بينما تُثقل كاهل الدول النامية بالديون والتضخم، بهذا التصريح لم يكن بوتين يهاجم الاقتصاد الليبرالي فحسب، بل كان يعلن عن توجه استراتيجي روسي نحو فكّ الارتباط مع الغرب، عبر بناء تحالفات بديلة  مثل منظمة بريكس والاتحاد الأوراسي تسعى إلى تأسيس نظام مالي متعدد الأقطاب، ورغم أن خطابه يبدو موجّهًا ضد الغرب، إلا أنه يحمل أيضًا دعوة مفتوحة لدول الجنوب العالمي لتشكيل كتلة اقتصادية مضادة، قادرة على كسر الاحتكار الذهبي.

العداء الهيكلي!

الخطاب الروسي عن “المليار الذهبي” ليس مجرد استعارة، بل يعكس تحولاً هيكليًا في ميزان القوة الدولي.
فبعد عقود من هيمنة الغرب على النظام المالي، جاءت الحرب في أوكرانيا لتفجّر أزمة ثقة عميقة. العقوبات المفروضة على موسكو، وتجميد الأصول الروسية في الخارج، اعتبرتها موسكو “ابتزازًا اقتصادياً” كشف هشاشة النظام المالي القائم.

من هنا، أخذ الصراع الاقتصادي بعداً أعمق: لم يعد الخلاف حول سياسات أو اتفاقات تجارية، بل حول هيكل النظام العالمي نفسه، فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يسعيان للحفاظ على مركزية الدولار والنظام المصرفي الغربي، بينما تسعى روسيا والصين إلى إطلاق بدائل مثل “اليوان الرقمي”، وعمليات التسوية بالعملات المحلية في التبادل التجاري، هذا التناقض البنيوي هو ما يجعل المواجهة الحالية “عداءً هيكلياً” أكثر من كونها خلافًا مرحليًا، إنها مواجهة بين مركز يحتكر رأس المال والمعلومة والتكنولوجيا، وأطراف تسعى لاستعادة سيادتها الاقتصادية.

فالجنوب العالمي بين الضغوط والفرص، فدول الجنوب من آسيا إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية  وجدت نفسها في قلب هذه المعادلة، فمن جهة، ما زالت تعتمد على النظام المالي الغربي للحصول على القروض والاستثمارات، ومن جهة أخرى، ترى في الخطاب الروسي–الصيني فرصة لبناء شراكات متكافئة أكثر، خطاب بوتين في هذا السياق يُقدَّم كبديل أخلاقي وسياسي: نظام يقوم على “الندية” بدل التبعية، وعلى “التبادل المتكافئ” بدل الاستغلال.
لكن في الواقع، الطريق إلى هذا التوازن لا يزال طويلاً، إذ تبقى البنية الاقتصادية العالمية مترابطة بشدة، بحيث يصعب على أي دولة أن تنفصل عن الأسواق الغربية دون كلفة اقتصادية باهظة، ورغم تصاعد الخطاب المناهض للغرب، فإن المليار الذهبي لا يزال يمتلك عناصر القوة الأساسية: التكنولوجيا، رؤوس الأموال، وشبكة التحالفات السياسية والعسكرية، غير أن هذا لا يمنع أن النظام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية يواجه اليوم تآكلاً في شرعيته، فأزمات المناخ، الديون، والفجوات الاجتماعية تُظهر أن النموذج الغربي نفسه يعاني من تناقضاته الداخلية، وأن فكرة “المليار الذهبي” باتت مكشوفة أكثر من أي وقت مضى، ومع استمرار روسيا والصين ودول البريكس في تعزيز التعاون الاقتصادي، يبدو أن العالم يتّجه نحو نظام مزدوج: نظام أولي تقوده واشنطن وحلفاؤها، ونظام ثانٍ موازٍ يسعى لتقويض احتكار الأول، عبر أدوات مالية وتجارية جديدة.

وفي النهاية تعبير “المليار الذهبي” ليس مجرد شعار سياسي عابر، بل هو انعكاس لصراع بنيوي على شكل العالم القادم، في عمقه، يعبّر عن عداء هيكلي بين نظام يرفض التخلي عن امتيازاته التاريخية، وآخر يطالب بإعادة توزيع القوة والثروة، وفي ظل هذه المواجهة المستمرة، يبدو أن العالم يدخل مرحلة إعادة صياغة للنظام الاقتصادي والسياسي، حيث لم يعد السؤال من يحكم، بل كيف يُعاد تعريف العدالة في إدارة الكوكب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى