صحافة وآراء

لن تطلق الرصاصة الأولى إلا بصقر مظلّل بعد هدهد !

مارلين موسى

تذكروا يا بني إسرائيل إن حلق فوق رؤوسكم طير ما مات ولا غاب فارغا ، سأبدأ مقالي بتذكير لأنهيه بتحذير…  فعلى الرغم من الضغوط المتزايدة على الساحة اللبنانية والإقليمية، تبدو المعطيات الأخيرة واضحة للعيان: حزب الله لم يكتفِ بالاحتفاظ ببنيته التنظيمية فقط، بل استعاد بسرعة تفوق التوقعات جزءًا كبيرًا من قدراته التشغيلية والسياسية. كبار المحللين الأميركيين ورجال الاستخبارات، الذين يراقبون عن كثب تطورات الجنوب اللبناني وحركة الفصائل المسلحة في المنطقة، أشاروا في تقاريرهم الأخيرة إلى أنّ الحزب أظهر قدرة مذهلة على إعادة تموضع وحداته، إعادة دمج شبكاته اللوجستية، واستعادة موطئ قدم مؤثر في مناطق حيوية على طول الحدود وفي الضاحية الجنوبية. هذه السرعة في التعافي، حسب المحللين، لم تكن متوقعة مقارنة بالقدرة التشغيلية السابقة أو بما خاضه الحزب من صراعات في الحرب الأخيرة وما خسره من قيادات ومنصات ومنشآت، ما أعاد التقدير الاستراتيجي للأطراف الإقليمية والغربية على حد سواء.

لكن المحللين الأميركيين، الذين يراقبون كل تحرّك لحظة بلحظة، يشددون على أنّ هذا التعافي ليس انعكاسًا لرغبة في الانخراط في مواجهة مفتوحة، بل هو إعادة ترتيب داخلي يسمح بالحفاظ  على الردع والتأثير دون الانزلاق إلى حرب شاملة حاليا، لذلك  فإن حزب الله لن يدخل صراعًا شاملًا مع إسرائيل قبل أن يجد رادعًا جوّيًا متكاملًا، قادر على تحييد التفوق الجوي الإسرائيلي وحماية مساراته التكتيكية والمسيّرات التي أصبح يعتمد عليها. فنسبة احتمال اندلاع حرب شاملة من دون رادع جوي وفق هذه التحليلات منخفضة للغاية، وتقدّر بما لا يزيد عن 15–20%، في حين يظل الردّ المحدود على استهدافاته أو الضربات التكتيكية على حدود لبنان خيارًا أكثر منطقية، مع نسبة احتمال تتراوح بين 45–60%.

أما عن إمكانية الدعم الإقليمي، إيران رغم قدرتها التقنية، ستقدم دعمًا تكتيكيًا ولوجستيًا أكثر من كونه انتقال منظومات دفاع جوي متقدمة مباشرة إلى حزب الله. وروسيا مرتبطة بصراعها في أوكرانيا وملفات الضغط الغربية، وهي غير راغبة في إرسال أنظمة متطورة تهدد التوازن في الشرق الأوسط بشكل مباشر، بينما تبقى الصين نظريًا قادرة على تقديم دعم تقني، لكن أي تحرك منها في هذا الإطار سيكون محدودًا، محسوبًا بعناية، ومرتبطًا بعوامل دبلوماسية واقتصادية معقدة.

فقصف إسرائيل للضاحية مؤخراً، والذي أسفر عن ارتقاء قيادي بارز ، يمثل اختبارًا عمليًا لمدى قدرة الحزب على الردع الفعلي. هذا التصعيد، وفقًا للمحللين، ليس دعوة مباشرة للحرب، بل هو فتح باب لتقييم مدى فاعلية منظومة الردع، واستعراض القدرة على إعادة فرض المعادلة التكتيكية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. حزب الله، وفق المنطق العسكري والسياسي المتبع، سيختار الرد وفق إيقاعه هو، ويوازن بين الرد الضروري للحفاظ على هيبة الردع وبين تجنّب حرب لا يمتلك فيها ضمانة حماية كاملة من الطيران الإسرائيلي أو المسيّرات.

من زاوية التحليل الأميركي، هذه الحسابات تظهر أنّ الحزب قد تعافى بشكل أسرع مما كان متوقعًا، لكنه ما زال ملتزمًا بحسابات دقيقة: لا حرب بلا سماء، ولا نصر بلا رادع جوي يحمي الأرض من الطائرات والمسيّرات. وهنا تكمن المعادلة الدقيقة التي يراقبها العالم: الحزب يمتلك القدرة على الرد، لكنه يختار الوقت والسقف المناسب للرد، وهو ما يعكس درجة عالية من الحنكة السياسية والمرونة العسكرية.

وفي هذا السياق، تتضاءل قدرة إسرائيل على كشف الحزب أو تهديده بشكل حاسم. فثغرات السماء، التي تعطي للطيران والطائرات المسيّرة بعض التفوق، لم تعد كافية لكسر منظومة الردع. الحزب، كما تؤكد التحليلات، نجح في إعادة توزيع قدراته، تعزيز شبكاته الاستخباراتية، واستغلال التضاريس لصالحه، ما يجعل أي عملية اختراق استخبارية أو هجومية محدودة التأثير. وهنا، تكمن المفارقة الكبرى.

وبذلك، نصل إلى معادلة دقيقة، تقولها الأرقام والتحليلات: حزب الله تعافى، يمتلك القدرة على الردع، يختار سقف الاشتباك، ويعرف أنّه لا خيار للحرب الشاملة قبل أن يضمن حماية السماء، وفي الوقت نفسه، نجح في جعل أي اختراق إسرائيلي محدود الأثر، ليس محدود الأثر بتقليل شأن المستهدف بل أصبح حزب الله كاظما غيظه بالإشتعال وإن لثأره يوم عدة وسيف في الغمد نائم، لن يخرج إلا ليشطر من في السماء يسرح.

سماء الكون في المرحلة المقبلة حلبة النزال الهاطلة، فهل سيتبلل حزب الله بأمطارها؟ أم ان مظلته الجوية على وشك التحليق؟ فهدهد سليمان إن نزف عاد صقرا! والسيف إن خرج من غمد صاحب الثأثر شهدت له السماء!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى