دولي

واشنطن بين موسكو وبكين!

ماتريوشكا نيوز

يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب حالة ارتباك متصاعدة في إدارة ملفي روسيا وأوكرانيا، بعدما بدأ يُدخل تعديلات على مبادرته السابقة التي صاغها بتنسيق غير مباشر مع موسكو، هذه التعديلات، تعني عملياً شطب أجزاء من قائمة أمنيات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو ما يضع المبادرة أمام مأزق مزدوج، فموسكو ترفض أي تغيير على ما سبق التفاهم عليه، في حين أن تمرير صفقة تمنح روسيا ما تريده بالكامل سيغضب أوروبا وأوكرانيا معاً، ويقوّض فرص نجاح المسار السياسي الذي يسعى إليه ترامب. وتبرز الصين بوصفها العامل الأكثر تأثيراً في توازنات الحرب فهي الحليف الأكبر لروسيا، وتمتلك القدرة على دفعها نحو تسويات تنهي النزاع، لكنها تمتنع عن ذلك لأن واشنطن تمثّل خصمها الاستراتيجي الأول ومن وجهة نظر بكين، فإن استمرار الحرب يخدم مصالحها، روسيا لا تنتصر انتصاراً ساحقاً يجعل منها قوة مهيمنة تُقلق الصين، وفي المقابل لا تُهزم بما يسمح لأوروبا بالسيطرة عليها أو انتزاع مواردها. الجميع عالق في الاستنزاف، والجميع مضطر للتواصل مع الصين، ما يمنحها أوراق ضغط واسعة في مواجهة الولايات المتحدة، وقد أبلغت بكين واشنطن رسالتها بوضوح، مفتاح النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية ومفتاح السلام في أوروبا، يمران عبر تايوان! فعودة الجزيرة إلى السيادة الصينية هي الثمن الذي تريده بكين مقابل المساهمة في إنهاء الحرب الأوكرانية وتخفيف الضغط عن الولايات المتحدة وحلفائها، أما إذا واصلت واشنطن تطويق الصين عسكرياً عبر قواعدها وجزرها، فإن بكين ستلجأ إلى إشعال بؤر التوتر المرتبطة بالالتزامات الأميركية، من دون السماح بحسم أي صراع لصالح واشنطن أو شركائها. هذا الموقف جاء في وقت يشهد تصعيداً أميركياً متزايداً في آسيا، تقوده اليابان. فقد أعلنت وزيرة الدفاع اليابانية سانائي تاكايشي نشر صواريخ من طراز TYPE-03 في جزيرة يونا غوني، الأقرب إلى تايوان على بعد نحو 110 كيلومترات، وتملك الجزيرة موانئ ومطاراً عسكرياً، ما يجعلها منصة مثالية لتوسّع عسكري تدريجي قد يشمل لاحقاً نشر منظومات “ثاد” ومقاتلات وتجهيزات دفاعية إضافية، الصين اعتبرت الخطوة تهديداً مباشراً لأمنها، فيما أظهر الرأي العام الياباني قبولاً لافتاً لهذا المسار التصعيدي مع تزايد المطالب بتعديل المادة التاسعة من الدستور الياباني التي تحظر خوض الحروب، هذا الدستور الذي صاغته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بات اليوم ورقة ضغط بيدها، وهي تعمل على تعديله لتمكين اليابان من أداء دور قتالي أكبر في مواجهة الصين! في المقابل، تستعد بكين لسيناريو الغزو العسكري لتايوان خلال السنوات المقبلة، وربما مع اقتراب عام 2027 وفق تقديرات البنتاغون. فهي تعمل على تطوير قدرات واسعة تشمل عشرات الآلاف من الصواريخ الباليستية، وأنظمة لتعطيل “ستارلينك”، واستخدام آلاف الطائرات المسيّرة في العمليات الإلكترونية والهجومية. لكن! داخل تايوان نفسها، تتعمق الانقسامات، فالحزب الديموقراطي التقدمي متمسك بالتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية رغم تراجع الثقة بسبب اضطرابات سلاسل التوريد، وارتفاع كلفة صفقات السلاح وبطء تسليمها وتجربة الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب سابقاً وأضرت كثيرا بالاقتصاد التايواني. أما حزب الكومنتانغ، فيفضّل الحوار مع بكين، ويرفض رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% كما تطالب واشنطن. وتستغل الصين هذا الانقسام عبر حملات إعلامية داخل الجزيرة للتشكيك في موثوقية واشنطن، مؤكدة أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تمنح السلاح متأخراً أو تضع مصالحها التجارية فوق أمن تايوان. وتدرك واشنطن أن التخلي عن تايوان يعني انهيار “سلسلة الجزر الأولى” التي ترتكز عليها استراتيجيتها لتطويق الصين عبر اليابان وتايوان والفلبين. وإذا سقطت تايوان، فستشعر اليابان والفلبين بأن الولايات المتحدة ضعيفة وأن الصين باتت صاحبة اليد العليا، ما قد يدفعهما إلى عقد تفاهمات منفردة مع بكين وهو تحوّل استراتيجي كارثي لواشنطن يجعل التنازل السياسي أو الأمني عن الجزيرة أمراً مستحيلاً، وهكذا يبقى مفتاح السلام معطّلاً من وجهة نظر الصين، ويظل الصراع الأوكراني مفتوحاً على مزيد من التعقيد، فبكين تفضّل استمرار الحرب من دون حسم، روسيا تريد إستعادة أراضيها التاريخية، أوروبا تُستنزف، والولايات المتحدة تظل غارقة في صراعات متعددة، أما ترامب، الساعي إلى “طرق مختصرة” لحل الملفات دفعة واحدة، فيصطدم بمعارضة الكونغرس، وبتوازنات مؤسسات الأمن القومي التي تعتبر تايوان خطاً أحمر، وبواقع سياسي داخلي لا يسمح بالاستجابة للشروط الصينية، وبذلك يبقى ملف أوكرانيا بلا مخرج واضح، فيما يقف ملف تايوان في قلب الصراع الجيوسياسي الأكبر بين واشنطن وبكين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى