
الإسلاموفوبيا، الهجرة، وصمت السلطة: حين تتحوّل العدالة إلى أداة سياسية في عهد ترامب
ماتريوشكا نيوز
تشهد الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة الإسلاموفوبيا، وهي موجة تغذّت على عوامل سياسية وإعلامية وأمنية متراكمة، إزدادت حدّتها مع صعود دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الحالي إلى المشهد السياسي، ثم تعمّقت أكثر بعد حرب غزة الأخيرة. منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، ترسّخت في الوعي الأمريكي صور نمطية سلبية عن الإسلام والمسلمين، جرى تعزيزها عبر خطاب “الحرب على الإرهاب” وسياسات أمنية ربطت، بشكل غير مباشر، بين الدين الإسلامي والعنف. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الربط إلى أرضية خصبة للتمييز والخوف من المسلمين داخل المجتمع الأمريكي. وجاء اليوم الرئيس الأمريكي ترامب ليمنح هذا الخطاب بعداً سياسياً علنياً. فخلال حملته الإنتخابية ورئاسته، إستخدم لغة إقصائية قائمة على منطق “نحن وهم”، وفرض حظر سفر على دول ذات غالبية مسلمة، ما اعتُبر رسالة رسمية تُضفي شرعية على الشك والكراهية تجاه المسلمين. لم يكن الهدف خافياً، إذ استُخدم الخوف من “الآخر” كأداة لحشد القاعدة الإنتخابية اليمينية وتعزيز الإنقسام الداخلي.
ومع إندلاع حرب غزة، شهدت الإسلاموفوبيا موجة جديدة من التصعيد, فقد تزامن الدعم السياسي والإعلامي الأمريكي الواسع لإسرائيل مع تضييق متزايد على الأصوات المتضامنة مع الفلسطينيين. وفي كثير من الحالات، جرى الخلط المتعمّد بين إنتقاد السياسات الإسرائيلية وبين التطرف أو “الإرهاب الإسلامي”، ما إنعكس في إرتفاع جرائم الكراهية ضد المسلمين، وإستهداف الطلاب والناشطين، لا سيما في الجامعات الأمريكية. كما إن الإعلام لعب دوراً محورياً في هذا السياق، حيث ساهمت بعض المنصات، خاصة المحافظة منها، في تعميم خطاب يربط بين الإسلام كدين، والتنظيمات المسلحة، والصراع في غزة، دون تمييز بين الدين، والمجتمعات المسلمة المتنوعة، والسياقات السياسية المعقّدة. كما أسهمت وسائل التواصل الإجتماعي في تسريع إنتشار هذا الخطاب، وتحويله إلى أداة تعبئة وإستقطاب. في المحصلة، تبدو الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ظاهرة مُسيّسة أكثر منها تعبيراً عن إجماع شعبي. فقد جرى توظيفها إنتخابياً وإعلامياً، خاصة في ظل إدارة الرئيس ترامب وبعد حرب غزة، لكنها في الوقت نفسه تواجه مقاومة متنامية داخل المجتمع الأمريكي، ما يجعلها محطة صراع مفتوحة بين خطاب الكراهية وقيم التعددية.
ففي بلدٍ إعتاد أن يرى الواقع يتحوّل إلى عرض تلفزيوني، خرج دونالد ترامب الرئيس الأمريكي مجدداً أمام الكاميرات ليستعرض عضلاته السياسية، لا ليهدّئ الرأي العام بعد حادثة مقتل السيدة الأميركية التي هزّت البلاد، بل ليحوّل المأساة إلى مادة دعائية جديدة. وبين لغة الجسد المدروسة والكلمات المجوّفة، بدا ترامب وكأنه في موسمٍ جديد من برنامجه الشهير “أنت مطرود” — ولكن هذه المرّة، المطرودون هم الحقائق، والمنطق، والمسؤولية الأخلاقية. وبينما كانت العائلة تنعى فقيدتها المواطنة الأمريكية الشابة والأم، كان الرئيس ترامب ينعي.. شعبيته في إستطلاعات الرأي. كلمات كثيرة، أفكار قليلة، وتنافس محموم على من يصرخ أعلى أمام الكاميرا. والمفارقة إن الرجل الذي يتنقّل بين الأستوديوهات عند كل حادثة في الشرق الأوسط، ويغرد بحماسة عسكرية كلما إهتزّت إيران أو صاح أحد هناك، بدا هذه المرّة متردداً وصامتاً.. وكأنّ الحماسة تنفد فجأة حين تكون الجنازة داخل البيت الأميركي نفسه. فترامب الذي يتقمّص دور “المنقذ الدولي” عند أول إشاعة عن إضطراب إقليمي في طهران أو مشهد إحتجاجي في شيراز، يدخل في حالة سبات سياسي مريح عندما يكون القتيل مواطناً أميركياً والشارع هو شارع بلاده. هناك، لا بيانات عاجلة ولا تهديدات ولا وعود باستعادة الهيبة، فقط إبتسامة محسوبة، خطاب فارغ، ومساحة كافية ليعيد ترتيب صورته أمام الناخبين بدل ترتيب العدالة أمام الرأي العام. حتى بدا الأمر وكأن الرئيس يمتلك بوصلة سياسية مبرمجة: كلما إبتعدت المأساة عن الحدود الأميركية إرتفع صوته، وكلما إقتربت صارت مجرد هامش في حملة إنتخابية جديدة.
واشنطن – لا تزال جريمة مقتل سيدة أمريكية برصاص عنصر من إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) خلال عملية أمنية في ولاية مينيسوتا تثير موجة غضب وجدلاً واسعاً في الولايات المتحدة الأمريكية، وسط إنقسام حاد في الرأي العام، وإنتقادات متزايدة لصمت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتكتّمه حيال الحادثة.
وقعت الحادثة أو الجريمة في الوقت الخطأ أثناء حملة شرسة في البحث عن المهاجرين في ولاية مينابوليس التي تمثلها النائبة المسلمة الهان عمر حيث تمّ إطلاق النارعلى مواطنة أمريكية عمداً بثلاث رصاصات دون رفّة جفن من قبل (العصابات الإرهابية- المجرمون والقتلة) كما وصفهم المواطنون الأمريكيّون أي عناصرالشرطة من إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية أثناء وجودها داخل سيارتها، ما أدى إلى مقتلها على الفور. هي رينيه نيكول غود مواطنة أمريكية لم تكن مجرمة ولا مهاجرة ولا إرهابية ولا حتى سمراء أو سوداء، تبلغ من العمر 37 عاماً, وأم لثلاثة أطفال. ووفق الرواية الفيدرالية، فإن الضحية “شكّلت تهديداً” لعناصر الأمن، وهو ما دفع أحدهم لإستخدام السلاح. غير أن مقاطع فيديو التقطها شهود عيان وإنتشرت على نطاق واسع أظهرت مشاهد مغايرة، حيث بدت الضحية تحاول الإبتعاد بسيارتها دون أن تشكل خطراً مباشراً، الأمر الذي فجّر موجة تشكيك بالرواية الرسمية، ودفع منظمات حقوقية وقانونية للمطالبة بتحقيق مستقل وشفاف. سرعان ما تحولت الجريمة إلى قضية رأي عام، إذ خرج مواطنون أمريكيون بإحتجاجات في مينيابوليس ومدن أمريكية أخرى، رافعين شعارات تندد باستخدام القوة المفرطة وتطالب بمحاسبة المسؤولين. وإعتبر المتظاهرون إن ما جرى يعكس نمطاً متكرراً من العنف المؤسسي المرتبط بسياسات الهجرة الصارمة، خاصة في ظل توسيع صلاحيات ICE. كما يرى قطاع واسع من المواطنين الأمريكيين إن مقتل سيدة مدنية خلال عملية هجرة يطرح أسئلة خطيرة حول قواعد الإشتباك، وحماية المدنيين وحدود إستخدام القوة الفيدرالية. في خضم الغضب الشعبي، برز موقف النائبة الديمقراطية إلهان عمر، التي تمثل ولاية مينيسوتا، حيث أدانت الحادثة بشدة، ووصفتها بأنها “نتيجة مباشرة لسياسات قاسية وغير إنسانية”، مطالبة بوقف عمليات ICE في الأحياء السكنية، ومحاسبة المسؤولين عن إطلاق النار. كما أكدت عمر أن الصمت أو التبرير الرسمي لمثل هذه الحوادث يُعمّق فقدان الثقة بين المجتمع والدولة، معتبرة أن حماية الأرواح يجب أن تكون أولوية على حساب أي أجندة سياسية. في المقابل، أثار صمت الرئيس الأمريكي ترامب حيال الجريمة إنتقادات واسعة، خاصة في ظل إعتياده التعليق السريع على قضايا أمنية مشابهة عندما تخدم خطابه السياسي، فلم يصدر عنه أي بيان تعزية أو دعوة للتحقيق، كما تجاهلت منصاته الرسمية تفاصيل الحادثة، مكتفية بتكرار خطاب عام حول “فرض القانون والنظام” ويرى منتقدون إن هذا التكتم يعكس إزدواجية في المعايير، ويهدف إلى تجنب تحميل سياسات الهجرة التي تبناها مسؤولية مباشرة عن تصعيد العنف. في حين إعتبر آخرون إن صمته يأتي في سياق خصومته السياسية مع شخصيات مثل إلهان عمر، التي لطالما هاجمها وإتهمها بالتحريض ومعاداة مؤسسات الدولة حيث مضى ترامب في وصف إلهان عمر بأنها “شخص مجنون”، وسأل حشد مينيسوتا “كيف لديك أشخاص مثل هذا؟ “مضيفاً أن عمر، وهي مهاجرة صومالية تم إنتخابها لأول مرة لتمثيل جزء من مينيابوليس في عام 2018، أصبحت “صوتاً رئيسياً في الكونغرس” وأنها “إمرأة مريضة وهي تدمر ولايتك، إنها تضر بلدنا، ويجب علينا ألا نفعل ذلك.
القضية عمّقت الإنقسام داخل المجتمع الأمريكي. فبينما يدافع أنصار ترامب عن عناصر ICE ويعتبرون الحادثة “نتيجة حتمية لإنفاذ القانون”، يرى معارضوه إن ما جرى يمثل جريمة قتل غير مبررة ويكشف مخاطر عسكرة ملف الهجرة. أما بالنسبة لموقف منظمات حقوق الإنسان فقد حذّرت من إن تجاهل هذه الجريمة أو تبريرها قد يفتح الباب أمام مزيد من الإنتهاكات، مؤكدة إن المحاسبة والشفافية هما السبيل الوحيد لإحتواء الغضب المتصاعد. وقد تحوّل مقتل السيدة الأمريكية من حادثة أمنية إلى رمز سياسي وأخلاقي يعكس الصراع حول الهجرة، والعنصرية البنيوية، وحدود السلطة الفيدرالية. وبين إدانة إلهان عمر وصمت ترامب وغضب الشارع، تبقى القضية اختباراً حقيقياً لمدى التزام الولايات المتحدة بمبادئ العدالة والمساءلة، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة.
ويمثل هذا الحادث تصعيداً دراماتيكياً في سلسلة العمليات الأمنية الأخيرة لإنفاذ قوانين الهجرة، التي شملت عدة مدن أميركية كبرى في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب حيث إن هذه السيدة هي الضحية الخامسة على الأقل، التي تقتل منذ عام 2024. يذكر أن المنطقة التي وقع فيها إطلاق النار هي حي متواضع يقع جنوب وسط مدينة مينيابوليس، على بعد مبان قليلة من بعض أقدم أسواق المهاجرين في المنطقة، وعلى بعد 1.5 كيلومتر من المكان الذي قتل فيه جورج فلويد على يد الشرطة عام 2020، في الحادث الذي سبب إضطرابات واسعة.
كما تشهد المدينتان المتجاورتان، مينيابوليس وسانت بول، حالة من التوتر، منذ أعلنت وزارة الأمن الداخلي، الثلاثاء، إنطلاق العملية، حيث يتوقع مشاركة ألفي رجل أمن في هذه الحملة المرتبطة جزئياً بمزاعم إحتيال تشمل سكاناً صوماليين. وإحتشدت جموع غفيرة من المحتجين في موقع الحادث بعد إطلاق النار، وصبوا جام غضبهم على رجال الأمن المحليين والفيدراليين المتواجدين هناك، بمن فيهم غريغوري بوفينو، وهو مسؤول رفيع في إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية، الذي كان واجهة للحملات الأمنية في لوس أنجلوس وشيكاغو وأماكن أخرى. وفي مشهد يعيد للأذهان حملات لوس أنجلوس وشيكاغو، ضايق المارة رجال الأمن، ورددوا بصوت عال من خلف شريط الشرطة المحيط بموقع الحادث: “عار عار عار” و”إرحلي يا وكالة الهجرة خارج مينيسوتا”. وبعد حادثة إطلاق النار، قال العمدة جاكوب فراي إن رجال الهجرة “يتسببون في فوضى في مدينتنا”. وقال فراي على منصات التواصل الاجتماعي: “نحن نطالب برحيل وكالة الهجرة من المدينة والولاية فوراً. نحن نقف بصلابة كالصخر مع مجتمعات المهاجرين واللاجئين لدينا”.
وبالعودة إلى الجريمة المروّعة التي حصلت أظهرت مقاطع فيديو نشرها شهود عيان على مواقع التواصل الإجتماعي تفاصيل دقيقة حول لحظة إطلاق النار، الذي وقع حوالي الساعة 10:25 صباحاً بالتوقيت المحلي يوم الأربعاء. فمن زوايا مختلفة، تظهر سيارة دفع رباعي مارونية اللون وهي تغلق شارعاً سكنياً في مينيابوليس, يصطف حشد من الناس، يبدو إنهم يحتجون، على الرصيف, ثم تظهر سيارات إنفاذ القانون في مكان قريب. تتوقف سيارات عناصر الهجرة بجانب السيارة المتوقفة في الشارع، فيخرجوا منها ويطلبون من المرأة التي تقودها النزول من السيارة ثم يحاول أحد العناصر فتح مقبض باب السائق بينما يتمركز عنصر آخر بالقرب من مقدمة السيارة. فيطلق العنصر النار بينما تحاول السيارة الإنطلاق. فيُسمع دوي ثلاث طلقات، وتظهر السيارة وهي تفقد السيطرة وتصطدم بسيارة متوقفة على جانب الطريق. وفي منشور على موقع “تروث سوشيال”، قال ترامب إن ضابطًا من إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) تعرّض للدهس “بوحشية”. وكتب: “من الصعب تصديق إنه ما زال على قيد الحياة، ولكنه يتعافى الآن في المستشفى”. كما إتهم الرئيس الجمهوري “اليسار الراديكالي” بـالتهديد والإعتداء على ضباط إنفاذ القانون وعملاء إدارة الهجرة والجمارك وإستهدافهم يومياً. وقال قائد شرطة مينيابوليس، برايان أوهارا، إن غود كانت في سيارتها تعرقل حركة المرور على شارع بورتلاند. ثم إقترب منها ضابط إنفاذ قانون إتحادي سيراً على الأقدام، فبدأت بالإنطلاق بسيارتها. وتقول إدارة ترامب إنها تحجب تمويل رعاية الأطفال عن مينيسوتا وسط مزاعم بالإحتيال. وتضيف وزيرة الأمن الداخلي، كريستي نويم، قالت إن المرأة كانت تتعقب وتعيق الضباط طوال اليوم، وحاولت دهس الضابط. وقالت نويم أن العميل الإتحادي أطلق طلقات دفاعية وأصيب هو الآخر، قبل أن يتلقى العلاج ويغادر المستشفى المحلي، وأوضحت أن نفس العميل تعرض للدهس بسيارة أثناء تأديته واجبه في يونيو/حزيران. كما أفادت نويم بأن عمليات إدارة الهجرة والجمارك في المدينة ستستمر، وإن مكتب التحقيقات الفيدرالي سيُجري تحقيقاً في حادثة الأربعاء. مع ذلك، صرّح مجلس مدينة مينيابوليس بأن غود كانت ببساطة “تعتني بجيرانها” عندما أُطلق عليها النار وقُتلت.
أف بي آي يمنع المشاركة في التحقيق
أعلن مكتب مينيسوتا للتحقيقات الجنائية إنسحابه من التحقيق في حادثة إطلاق النار “المميتة” التي أودت بحياة رينيه غود، وذلك بعد قرار مكتب التحقيقات الفيدرالي بمنع الفريق من الوصول إلى ملفات القضية، بحسب بيان درو إيفانز، مدير المكتب. وأوضح إيفانز إن مكتب التحقيقات الفيدرالي قرر عدم إشراك مكتب التحقيقات الجنائية من الوصول إلى ملفات القضية، وأدلة مسرح الجريمة، والمقابلات التحقيقية اللازمة لإجراء تحقيق شامل ومستقل. وأضاف إيفانز إنه نظراً لعدم تمكن مكتب التحقيقات الجنائية من الوصول إلى جميع ملفات القضية والأدلة الضرورية، فقد إنسحب على مضض من التحقيق. وكشف المسؤول في ولاية مينيسوتا إنه كان من المتوقع سابقاً أن تُشارك وحدة التحقيقات التابعة لمكتب التحقيقات الجنائية في التحقيقات مع مكتب التحقيقات الفيدرالي، إلا إن مكتب التحقيقات الفيدرالي تراجع عن قراره. ويقول إيفانز إن مكتب التحقيقات الجنائية يتوقع من مكتب التحقيقات الفيدرالي إجراء تحقيق شامل ودقيق، ويضيف إن الفريق مستعد لإستئناف تحقيق مشترك إذا قرر مكتب التحقيقات الفيدرالي إعادة النظر في نهجه. وقد كتب والز ردّاً على منشور لوزارة الأمن الداخلي حول إطلاق النار: لا تصدقوا هذه الآلة الدعائية، وأضاف: ستضمن الولاية إجراء تحقيق كامل ونزيه وسريع لضمان المساءلة وتحقيق العدالة. كما أصدر كبار الديمقراطيين، مثل نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز، بيانات. ووصفت هاريس رواية إدارة ترامب للأحداث بأنها “تضليل”.
في المحصّلة، لا يمكن فصل جريمة مقتل السيدة الأمريكية عن السياق السياسي الذي أحاط بها، ولا عن الصمت اللافت الذي إلتزمه الرئيس دونالد ترامب تجاهها. فهذا الصمت لم يأتِ بمعزل عن سجلٍّ معروف من المواقف، إذ إعتاد ترامب في حوادث مشابهة وقعت خارج الولايات المتحدة الأمريكية على التعليق السريع والإدانة العلنية، بل وإستثمار تلك الجرائم سياسياً وإعلامياً بما يخدم أجندته وخطابه الإنتخابي، خصوصاً عندما تتقاطع مع ملفات الأمن أو التهديدات، التي طالما إستخدمها في خطاباته. غير إن غياب أي موقف واضح في هذه القضية أثار موجة واسعة من التساؤلات داخل المجتمع الأمريكي حول إزدواجية المعايير وإنتقائية الإدانة، وحول ما إذا كانت قيمة الضحايا تُقاس بمدى إنسجام قضاياهم مع المصالح السياسية لا مع مبادئ العدالة. فلو وقعت هذه الجريمة في بلد آخر، أو لو أمكن توظيفها ضد خصومه السياسيين، لكان من المرجّح أن تصدّرت تصريحاته العناوين، مصحوبة بإدانة حادة وخطاب صاخب. إلا إن تعارض القضية مع حساباته الداخلية، ومع خطابه السابق الذي غذّى الإنقسام والكراهية، جعله يختار الصمت كخيار محسوب لا كموقف عابر. وبينما تنتظر عائلة الضحيّة والرأي العام إجابات واضحة ومحاسبة شفافة، تكشف هذه القضية فجوة عميقة بين الخطاب السياسي المعلن حول العدالة وحماية الأرواح، والممارسة الفعلية حين تتقدّم المصلحة السياسية على القيم الإنسانية. وهكذا، تتحول جريمة مقتل السيدة الأمريكية إلى إختبار حقيقي لإلتزام القيادات السياسية بمبدأ العدالة المتساوية، وتبقى شاهداً على إن الصمت، عندما يصدر عن موقع سلطة، ليس حياداً، بل موقفاً يحمل دلالات سياسية وأخلاقية لا تقل خطورة عن الكلام.




