صحافة وآراء

إسرائيل وتفكيك الشرق الأوسط

د. أروى محمد الشاعر

إن الحرب على إيران تعتبر لحظة خطيرة كشفت كيف يُراد لهذا الشرق الأوسط أن يبقى مشغولًا بنفسه، خائفًا من نفسه، وممزقًا من داخله ما تتركه بعدها من شقوق في الوعي، وفي العلاقة بين الجيران، وفي نظرة الناس بعضهم إلى بعض.

إسرائيل ليست تفصيلًا عابرًا في هذا المشهد، لأنها لم تقم كدولة طبيعية على أساس وطني جامع، بل قامت على منطق ديني صريح: يكفي أن تكون يهوديًا، من أي مكان في العالم، حتى يُمنح لك حق في أرض ليست لك، بينما يُحرم صاحب الأرض الحقيقي من حقه فيها. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الأمر احتلالًا للأرض فقط، بل صار أيضًا إدخالًا خطيرًا للدين في صلب السياسة والسيادة والشرعية.

ومن هنا بدأت الكارثة تتسع. لأن الدولة التي تُبنى على هذا الأساس لا تكتفي بأن تقتلع شعبًا من أرضه، بل تُسهم أيضًا في نشر مناخ يجعل الهوية الدينية أعلى من الهوية الوطنية، ويجعل المذهب أداة تعبئة، ويدفع المنطقة كلها إلى فخ العصبيات والانقسامات. وهكذا لا يعود الناس أبناء أوطان بقدر ما يصيرون أبناء طوائف، ولا تعود المجتمعات جسدًا واحدًا، بل جماعات متجاورة، خائفة، متحفزة، ومشغولة ببعضها.

ولذلك لم يكن المقصود فقط إشعال الخلاف بين المسلم والمسيحي، بل أيضًا تفجير الانقسامات المذهبية والطائفية داخل المنطقة نفسها: بين السني والشيعي، وبين العلوي ومحيطه، وبين الدرزي وجواره، وداخل المسيحية بين كنائسها وطوائفها وتفرعاتها، حتى يبقى الشرق الأوسط ممزقًا من داخله، مشغولًا بشروخه، بعيدًا عن رؤية من يدفعه إلى هذا المصير.

أما دول المنطقة، فمهما بلغت الخلافات بينها، تبقى الحقيقة الأوضح أن الجوار لا يمكن شطبه، وأن تحويله إلى عداوات دائمة ليس في مصلحة أحد. لأن الجيران لا يملكون ترف القطيعة الأبدية، ولأن خراب طرف لن يبقى محصورًا فيه، بل سيمتد إلى الجميع. ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الأزمات السياسية إلى شروخ طويلة بين شعوب المنطقة نفسها.

ثم يأتي ترامب، لا ليطفئ الحريق، بل ليزيده اشتعالًا. فهو لم يدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر فقط، بل عمّق الانقسام داخل بلاده أيضًا، في وقت لا يرغب فيه كثير من الأميركيين أصلًا بحرب جديدة. وهكذا يلتقي المشروعان في النتيجة نفسها: إسرائيل تستفيد من تمزيق الشرق الأوسط، وترامب يوسّع دوائر الفوضى، بينما يُراد لنا نحن أن ننسى البوصلة، وأن ننشغل بالخلافات التي تُزرع بيننا أكثر مما ننشغل بمن أشعلها.

إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس أن تشتعل الحرب، بل أن تنجح في إعادة تشكيل وعينا. أن يصبح المذهب أهم من الوطن، والخوف أهم من الحقيقة، والجار مشروع خصومة بدل أن يكون شريكًا في المصير. عندها فقط تكون إسرائيل قد ربحت أكثر مما تربح بالسلاح: تكون قد نجحت في تمزيق الشرق الأوسط من داخله.

إسرائيل، الدولة التي قامت على أساس ديني، لم تكتفِ باحتلال الأرض، بل ساهمت في تسميم المنطقة كلها بمنطق التعصب والانقسام. فإذا صرنا نحن نحرس المذاهب أكثر مما نحرس أوطاننا، نكون قد منحناها أعظم انتصار: أن نهزم أنفسنا بأيدينا.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى