صحافة وآراء

شميم حرب نووية يتصاعد في أوروبا

د. أيمن أبو الشعر

التصريحات النووية الفرنسية الأخيرة تبدو كتحريض2 للدول غير النووية لكي تسعى لامتلاك السلاح النووي


موسكو تحذر من اندلاع صدام نووي
ظلت الإشكالات النووية مجالا لسجالات بين الناتو والدول الأوربية من جهة وروسيا من جهة ثانية، وكان هذا السجال يعلو ويهبط حسب حرارة الأجواء السياسية، ولهذا يمكن تقدير أنه بات في مرحلة السخونة القصوى في الآونة الأخيرة حتى أن سفير المهام الخاصة في وزارة الخارجية الروسية أندريه بيلاوسوف والذي يطابق بالمناسبة اسمه مع اسم وزير الدفاع الروسي أعلن بوضوح أن تردي العلاقات بين الدول النووية يمكن أن يقود إلى صدامات عسكرية مباشرة خطيرة، وأوضح أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا تقوم بزيادة قدراتها النووية متجاهلة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وأنها تسعى لتوريط حلفائها غير النوويين لكي ينغمسوا في مخططات تزعزع الاستقرار سعيا لتشكيل مظلة نووية جديدة، بل إن بريطانيا وفرنسا تتبعان سياسة مخادعة تتمثل في تجنب الانضمام إلى اتفاقيات الحد من التسلح النووي.

والحقيقة أن العلاقات بين الدول الخمس الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التي من المفترض أن تضطلع بدور الضامن لأمن العالم نوويا قد تدهورت بشكل هائل نتيجة الممارسات الغربية راسمة شرخا واضحا في تجمعين الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا من جهة وروسيا والصين من جهة ثانية، كما أن معظم الدول الأوربية لم تعد تخفي عداءها لروسيا انطلاقا من تأييدها لكييف وسعيها لإلحاق الضرر بروسيا عبر أوكرانيا التي تتصاعد أزمتها عبر المساعدات الأوربية العسكرية التي تزيد من تمسك كييف بمتابعة الحرب بدل البحث عن السبل الدبلوماسية لإنهاء الأزمة.

دول غير نووية تسعى لامتلاك سلاح نووي
ويلفت النظر في هذا السياق أن الخارجية الروسية نبهت إلى حقيقة تتنامى في الآونة الأخيرة، وهي سعي بعض الدول الأوربية غير النووية لامتلاك السلاح النووي، وذلك عبر تأييد فكرة إنشاء منظومة عسكرية شاملة نووية لكل أوروبا، ما يذكر بتصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون الذي أعلن في مارس – آذار الفائت أنه وجه أوامره للمختصين لكي يزيدوا من عدد الرؤوس النووية في الترسانة الفرنسية والتي تصل إلى 280 قنبلة نووية وأوضح أن على فرنسا أن تحكم قبضتها على عقيدتها النووية في مواجهة التهديدات الجديدة، وأن السلاح النووي الفرنسي سيستخدم منذ الآن للدفاع عن أوروبا بكاملها وأن روسيا أصبحت تشكل تهديدا لفرنسا وأوروبا، هذه التصريحات التب بدأت تتعالى منذ العام الفائت لاقت تنشيطا لها من خلال دعوة ماكرون لتوسيع استراتيجية فرنسا النووية لتشمل أوروبا بأكملها، مع الحفاظ على السيادة الفرنسية. وأشار إلى أن ثماني دول انضمت بالفعل إلى المبادرة، وستتمكن من المشاركة في التدريبات النووية الفرنسية، بمعنى أن فرنسا انتقلت من التصريحات إلى التنفيذ العملي والذي يستهدف روسيا علنا وبوضوح دون أن يستثني ماكرون حتى نشر قوات نووية فرنسية في تلك الدول، وهي خطوة بالغة الخطورة لا يمكن أن تمررها موسكو التي اعتبرتها منذ الآن خطوات استفزازية وتقويضا للتوازن الاستراتيجي القائم منذ عشرات السنين.

موسكو ترد
وكرد واضح عملي أعلن غريشكو نائب وزير الخارجية الروسية بأن القيادة العسكرية الروسية ستأخذ كل هذه المعطيات بعين الاعتبار عند تحديث قائمة بنك الأهداف، ما يعني أن هذه الدول ورَّطت نفسها وستغدو من بين الأهداف النووية المحتملة لروسيا، .واعتبر بيسكوف الناطق باسم الكرملين تصريحات ماكرون هذه بأنها عدائية جدا موضحا أن ماكرون عمليا يتجاهل أن الناتو هو الذي بدأ في السنوات الأخيرة يدفع بنيته التحتية بخطوات سريعة نحو الحدود الروسية. الجدير بالذكر أن وزير الخارجية الروسية كان منذ العام الفائت قد نبه الرئيس ماكرون بأن عليه أن يتذكر مصير نابيليون وهتلر، وذلك في تعليقه على تصريحات ماكرون آنذاك والتي اعتبرت أن روسيا باتت تشكل تهديدا لفرنسا وأوروبا.

أوكرانيا تعزف على أوتار التوتير
طبعا لا بد من الإشارة إلى أن الدعم الأوربي الكبير لكييف جعلها سباقة أيضا في تصعيد التوتر، وذلك من خلال البحث عن أي مبرر لتحفيز الناتو والغرب عموما على تشديد مواقفهما لا من موسكو وحسب بل وحتى من حلفائها، وخاصة بيلاروسيا حيث أعلن الرئيس الأوكراني أنه تمَّ رصد نشاط مشبوه على الحدود مع بيلاروسيا، وشدد على أن كييف تسيطر على الوضع تماما وهي مستعدة للرد على أي نشاط عدواني محتمل، ولكن المثير في هذا الأمر أن هذا الإعلان جاء على لسان الرئيس زيلينسكي في الوقت الذي نفى فيه ديمتشينكو مسؤول حرس الحدود الأوكراني وجود أي تحركات مشبوهة أو حشد قوات بيلاروسية قرب الحدود مع أوكرانيا في الفترة الأخيرة وحتى بداية مايو الحالي، وأن المناورات التي تقوم بها القوات البيلاروسية هي مناورات اعتيادية تقليدية وليست تعزيزات هجومية، مما يعني أن تصريحات زيلينسكي كانت ضمن تصعيد الحرب الإعلامية.

بقي أن نشير إلى أن الكسي ميشكوف سفير روسيا لدى فرنسا اعتبر التصريحات النووية الفرنسية المتصاعدة حول توسيع المكون النووي الأوروبي تهديدا صريحا ومباشرا لمنظومة عدم الانتشار النووي الدولية وهو ما أشرنا إليه في متن هذه المقالة، بل إنه لم يستثن احتمال انهيار هذه المعاهدة برمتها حتى أن التصريحات الفرنسية الأخيرة تبدو كدعوة للدول غير النووية لامتلاك سلاح نووي وقد تعيد العالم إلى شفير الفوضى النووية.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى