صحافة وآراء

التعليم الذكي.. من الرَّحلة إلى العقل السيادي

الدكتور ليث شبر

كتبتُ خلال المدة الماضية عن الرَّحلة الذكية، وبدأت الفكرة من أبسط الأشياء وأكثرها ملازمة للطالب: المكان الذي يجلس عليه، ثم اتسعت أمامنا حتى أمست مدخلاً لإعادة بناء فلسفة التعليم كلها، لأنني أرى أن أزمة التعليم في العراق لا تعالج بزيادة الكتب والحصص والامتحانات، وإنما بإعادة اكتشاف الإنسان منذ أول لحظة يدخل فيها عالم التعلم، وفهم قدراته وميوله وإيقاع نموه، ثم بناء تعليم يتشكل معه بدلاً من أن يفرض عليه قالباً واحداً طوال سنوات دراسته.

تبدأ رؤيتنا للتعليم الذكي قبل المدرسة من الأسرة والأم تحديداً، ثم تدخل مرحلتها المؤسسية منذ التجربة التعليمية الأولى للطفل، حيث تكون له رَحلته الذكية المصممة خصيصاً والمتصلة بعقل ذكي سيادي عراقي، فتتعرف المنظومة تدريجياً إلى طريقة تعلمه وفضوله وميوله وقدراته ومواطن تعثره وإيقاع استجابته، وتبني له ذاكرة معرفية تراكمية لا تضيع بانتقاله من صف إلى آخر أو من معلم إلى آخر، وبذلك يصبح لكل طالب مساره المعرفي الحي الذي ينمو معه، فيما يبقى المعلم قائداً وموجهاً وصانعاً للبيئة الإنسانية التي لا تستطيع الآلة أن تحل محلها.

أما الذكاء السيادي الذي نتصوره فلا يعني برنامجاً أجنبياً يعرف أبناء العراق أكثر مما تعرفهم دولتهم، وإنما عقلاً وطنياً مؤمناً وآمناً تديره الدولة وتحكم بياناته قوانين صارمة، يتعلم من التجربة التعليمية العراقية ويخدم الطالب والمعلم والأسرة وصانع القرار، ويستطيع أن يكتشف مبكراً أن طفلاً يتقدم في الرياضيات أسرع من عمره الدراسي، وأن آخر يمتلك خيالاً لغوياً أو قدرة هندسية أو موهبة فنية، وأن ثالثاً بدأ يفقد فضوله أو استمراريته، فيتدخل التعليم قبل أن تضيع الموهبة أو يتحول التعثر الصغير إلى فشل مزمن، وهنا تنتقل المدرسة من مؤسسة تنتظر النتيجة إلى مؤسسة تستشرفها وتصنعها.

ومن هذه البنية يمكن أن تتغير معادلة الزمن والكلفة معاً، فالطالب الذي يستوعب مفهوماً خلال يومين لا موجب لإبقائه أسبوعين يكرره، والذي يحتاج إلى طريقة أخرى في الشرح يمكن أن يحصل عليها فوراً، والمعلم لن يهدر جزءاً كبيراً من جهده في أعمال روتينية تستطيع المنظومة إنجازها، والمناهج لن تبقى كتلة واحدة تتحرك بسرعة أبطأ طالب أو أسرع طالب، وبذلك يمكن تسريع اكتساب المعرفة والمهارات من دون اختزال التربية أو القفز على مراحل النمو، وتقليل الهدر في الوقت والموارد، وتوجيه المال العام نحو المعلم والمختبر والبحث والإبداع بدلاً من إنفاقه على تضخم تعليمي لا يقابله نمو معرفي مماثل.

والغاية أبعد من صناعة طالب متفوق؛ فنحن نريد جيلاً معرفياً واعياً منتجاً، يعرف كيف يتعلم وكيف يستمر وكيف يحول ما تعلمه إلى أثر، ولذلك تطورت رؤيتنا من قياس المعرفة إلى خريطة الوعي، ومنها إلى الاستمرارية، ثم إلى الأثر، لأن قيمة التعليم لا تقاس بعدد السنوات التي أمضاها الإنسان في المدرسة ولا بعدد الشهادات التي يحملها، وإنما بما أصبح قادراً على فهمه وصناعته وإضافته إلى وطنه، وعندها يمكن للعراق أن يختصر سنوات من التأخر، لا باختصار عمر الطالب، وإنما برفع كثافة التعلم في كل سنة من عمره.

هذه الرؤية ليست خيالاً تقنياً ولا صورة جميلة لرَحلة مدرسية مستقبلية، وإنما مشروع دولة يبدأ بالطفل وينتهي بإعادة تكوين رأس المال المعرفي للعراق، ويصل التعليم فيه بالاقتصاد والبحث العلمي والإنتاج والإدارة، فتكتشف الدولة عقولها مبكراً، وترعاها قبل أن تهدر، وتعرف ما تحتاج إليه من مهارات قبل أن تتكدس الشهادات، وتحوّل ملايين الطلبة من أرقام في سجلات التربية إلى أعظم رصيد سيادي تمتلكه البلاد.

وإذا تسنم قيادة العراق أهل المعرفة والرؤية والإرادة، فإن هذه الأفكار يمكن أن تنتقل من الأوراق والنماذج إلى مدارس العراق عبر مراحل مدروسة تبدأ بالتجريب والقياس ثم التوسع، فالعراق يمتلك الأطفال والعقول والجامعات والموارد التي تمكنه من ذلك، وما يحتاج إليه هو قرار يرى في التعليم مشروع السيادة الأول؛ وعندها يمكن أن تصبح الرَّحلة الذكية التي يجلس عليها طفل عراقي صغير نقطة البداية لتحول أكبر، طفل يتعلم أسرع، ومعلم يعرف طلابه أعمق، وأسرة ترى نمو ابنها أو ابنتها بوضوح، ودولة تكتشف ثروتها البشرية وهي تتكون أمامها، حتى يصبح العراق بعد جيل واحد منتجاً للعقول والمعرفة والتكنولوجيا بدلاً من أن يبقى مشترياً لنتاج عقول الآخرين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى