تكنولوجياصحافة وآراء

من الـ AI إلى SI

الدكتور ليث شبر

يبدو أن الحروف الصغيرة قد تعلن أحياناً تحولات كبرى؛ فالعالم الذي أمضى سنوات يتحدث عن AI استيقظ أمس على قرار للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدعو مؤسسات السلطة التنفيذية الأمريكية إلى الانتقال في لغتها الرسمية من Artificial Intelligence إلى Super Intelligence، ومن AI إلى SI، معلناً ما أسماه «عصر الذكاء الفائق». وقد يبدو الأمر لأول وهلة تغييراً في التسمية، غير أن وراء الحرفين تحولاً يستحق القراءة؛ لأن القوة الأعظم في العالم تقول رسمياً إن المفهوم الذي رافق الثورة التقنية طوال سبعين عاماً لم يعد، في تقدير إدارتها، كافياً لوصف ما وصلت إليه الآلة.

المثير بالنسبة لي أنني قرأت SI بطريقة أخرى قبل أن يصبح المصطلح عنواناً أمريكياً، ففي مشروع الدولة الذكية الذي نعمل عليه لم يكن السؤال الذي يشغلني: إلى أي مستوى سيصل ذكاء الآلة؟ كان السؤال الأكثر اتصالاً بمستقبل الدولة: لمن سيكون هذا الذكاء؟ ومن هنا جاء مفهوم Sovereign Intelligence، الذكاء السيادي. ترامب يريد الانتقال من الذكاء الاصطناعي إلى الذكاء الفائق، ونحن نريد الانتقال من استخدام الذكاء إلى امتلاك سيادته. وبين المعنيين فارق كبير؛ الأول يقيس قوة العقل الصناعي، والثاني يبحث في ملكية هذا العقل وبياناته وبنيته وقدرته على اتخاذ القرار داخل الدولة.

ولهذا أقول بثقة إننا في بعض المفاهيم التي طرحناها للعراق لم نكن نحاول اللحاق بما تفعله الدول المتقدمة، وإنما كنا نفكر في السؤال الذي سيصلون إليه لاحقاً. تحدثنا عن الدولة الذكية السيادية النابضة، وسيادة البيانات، والذكاء السيادي، والسجل المالي الوطني، والدينار الرقمي السيادي، والموظف الذكي، والرحلة الذكية، وعقل الدولة، وهي عندي ليست أسماء لمشروعات متناثرة، وإنما أجزاء من تصور واحد: دولة تمتلك ذاكرتها الرقمية وعقلها الحسابي وبياناتها ومعرفتها، وتستخدم الذكاء العالمي من موقع الشريك القادر على الاختيار، لا من موقع المستهلك الذي يضع مفاتيح دولته في خوادم الآخرين.

وهنا تصبح المسألة أكبر من مفاضلة لغوية بين Artificial وSuper. تستطيع دولة أن تشتري أحدث أنظمة SI بالمعنى الأمريكي، وتستخدم أذكى النماذج في وزاراتها ومؤسساتها، ثم تبقى دولة تابعة معرفياً إذا كانت بياناتها في الخارج، وحوسبتها تحت سيطرة الآخرين، وخوارزمياتها مغلقة عليها، وكفاءاتها عاجزة عن بناء بدائلها الوطنية. لذلك أضع معادلة أخرى للمستقبل: Super Intelligence بلا Sovereign Intelligence قد يصنع دولة شديدة الذكاء شديدة التبعية في الوقت نفسه.

وقد بدأت الدول الكبرى تقترب عملياً من هذه الأسئلة. ففي الأسبوع نفسه الذي غيّرت فيه واشنطن المصطلح، أطلقت الإدارة الأمريكية منصة America.gov بوصفها مدخلاً رقمياً موحداً للخدمات الحكومية، مع اشتراطات تتعلق بالأمن والخصوصية وقابلية التدقيق ودقة الأنظمة الذكية، فيما اتفقت الولايات المتحدة والصين على حوار خاص بالـSI ومناقشة مخاطره ومنافعه وإنشاء قناة اتصال للحوادث المرتبطة به. إنها إشارات إلى أن الذكاء بدأ ينتقل من كونه أداة تستخدمها المؤسسات إلى طبقة تدخل في هندسة الدولة وعلاقات القوى الكبرى.

وهذا بالضبط ما ينبغي أن يفهمه العراق. نحن لا نحتاج إلى إضافة تطبيق ذكاء اصطناعي إلى كل وزارة، ولا إلى شراء آلاف الرخص والبرامج ثم إعلان أننا أصبحنا دولة رقمية؛ نحتاج إلى بناء عقل سيادي عراقي، يبدأ من بنية وطنية للبيانات، ومراكز حوسبة مؤمنة، وهوية رقمية، وربط معرفي بين المؤسسات، ونماذج تفهم العراق ولغته واقتصاده ومياهه وطاقته وتعليمه ومجتمعه، وتشريعات تحدد بدقة من يملك البيانات ومن يصل إليها وكيف تستخدم. وعندها يستطيع الذكاء أن يرى حركة الدولة لحظة بلحظة، وأن يساعدها في التنبؤ قبل الأزمة، وأن يحول الإدارة من الاستجابة المتأخرة إلى القرار الاستباقي.

ومع ذلك فإن السيادة هنا لا تعني إغلاق العراق تقنياً أو محاولة صناعة كل شيء داخله، فهذه عزلة وليست سيادة. الذكاء السيادي يعني أن أعرف ماذا يجب أن أمتلك، وماذا أستطيع أن أشارك فيه، وماذا يمكن أن أشتريه، وأين تقع الخطوط التي لا يجوز أن تتجاوزها تبعية الدولة التقنية. كما يعني أن يبقى الإنسان صاحب القرار النهائي في المسائل التي تمس الحقوق والحريات والمصائر، وأن تمنح التكنولوجيا الدولة معرفة أكبر من دون أن تمنح السلطة حقاً مطلقاً في معرفة حياة المواطن.

لقد انتقل ترامب أمس من AI إلى SI، لكنه قصد الانتقال من Artificial إلى Super. أما رؤيتنا فتضيف انتقالاً آخر أراه أشد أهمية للدول التي تريد حماية مستقبلها: من Artificial إلى Sovereign، ومن الذكاء المستعار إلى الذكاء المملوك، ومن رقمنة مؤسسات الدولة إلى بناء عقلها. وإذا اجتمع المعنيان يوماً، Super Intelligence + Sovereign Intelligence، سنكون أمام الدولة التي تمتلك ذكاءً فائقاً وتحافظ في الوقت نفسه على سيادة هذا الذكاء.

ربما تكون المفارقة الأجمل أننا في العراق، الذي اعتاد أن يتلقى مفاهيم الدولة الحديثة بعد وصولها من الآخرين، نستطيع هذه المرة أن نفكر قبل اكتمال المصطلحات العالمية نفسها. لقد أمضينا عقوداً نستورد الأجهزة والبرامج والنظريات، وقد حان الوقت لننتج المفهوم أيضاً. المستقبل لن يكون لمن يمتلك النفط أكثر، ولا لمن يشتري الحواسيب أكثر، وإنما لمن يمتلك العقل الذي يدير موارده والعقل الذي يدير الآلة. ومن هنا تبدأ رحلتنا الحقيقية: من AI إلى SI، ومن الذكاء الاصطناعي والفائق إلى الذكاء السيادي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى