
ما أراه بصراحة من تعاظم السلوك الشعاراتي يثير المخاوف وكأنما نحن في السيادة التامة، ففي الثلاثين من أيلول انتهت رسمياً مهمة التحالف الدولي في العراق، فاحتفلنا بيوم السيادة، ورفعنا عنوان استعادة المسؤولية الوطنية الكاملة عن أمن البلاد، وكان ذلك حدثاً يستحق الاحتفاء، بيد أن الأيام التي أعقبته أعادت أمامنا حقيقة أشد تعقيداً فهل تستطيع الدولة أن تستعيد جزءاً مهماً من سيادتها وتبقى أجزاء أخرى من قرارها محكومة بقدرتها على تنفيذ ما تعلنه.
فالعراق يعلن حصر السلاح بيد الدولة، وما زال ملف السلاح ينتظر تسوية نهائية، ويمتلك أجواءه السيادية فيما تحتاج قدراته في المراقبة والدفاع الجوي إلى الاستكمال، ويبيع ملايين البراميل من النفط يومياً فيما تتأثر موازنته بقوة بسعر برميل تحدده الأسواق العالمية، ويمتلك احتياطيات مالية ضخمة فيما تمر حركة الدولار والمصارف عبر منظومة دولية شديدة التعقيد، ويملك ثروة هائلة من البيانات فيما لم يؤسس بعد منظومة وطنية واحدة تمنحه السيادة الكاملة عليها.
هذه المفارقات هي التي دفعتني إلى تسمية الحالة العراقية الراهنة بـ «السيادة المشروطة»؛ دولة مكتملة السيادة في القانون، فيما تتفاوت قدرتها على ممارسة عناصر هذه السيادة على الأرض.
وهنا تظهر القضية الأمنية في مقدمة الاختبار، فخروج التحالف أنهى مرحلة وفتح أخرى أكثر حساسية؛ إذ أصبح على الدولة أن تثبت قدرتها الذاتية في الاستخبارات والاستطلاع والإنذار والدفاع الجوي وملاحقة بقايا الإرهاب، وهو تحد كبير وحده، وأن تحسم في الوقت نفسه مسألة تعدد مصادر القرار المسلح، لأن تسجيل السلاح أو معرفة مخازنه لا يحسم المشكلة إذا بقي قرار استخدامه خارج التسلسل الدستوري. ومن هنا يصبح المعيار الأكثر دقة هو من يأمر؟ ومن يمول؟ ومن يستطيع الإيقاف؟ ومن يملك في النهاية قرار الحرب والسلم؟ والإجابة العملية عن هذه الأسئلة هي التي تحدد مقدار السيادة الأمنية الفعلية.
أما في المال فتبدو الصورة أكثر تعقيداً، فبلد يمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم ما زال اقتصاده شديد التأثر بسعر البرميل، وقد قدّر صندوق النقد الدولي أن سعر النفط اللازم لمعادلة الموازنة العراقية ارتفع من نحو 54 دولاراً عام 2020 إلى نحو 84 دولاراً عام 2024، بينما بقي حتى اليوم رهين رضا القرار الأمريكي في حماية أمواله وإمداده بالكاش، فضلا عن ملف إصلاح المصارف والامتثال والتحول الرقمي والعلاقة بالمصارف المراسلة في صلب النقاش المالي العراقي. والمسألة هنا ليست خصومة مع النظام المالي العالمي، فكل دولة تتعامل معه، وإنما مقدار الخيارات التي يمتلكها العراق داخله؛ فكلما تنوع اقتصاده، وقويت مصارفه، واتسعت قنواته المالية، وارتفعت كفاءة الدينار ونظام المدفوعات، تقلصت المسافة بين الثروة العراقية والقرار المالي العراقي.
وهناك سيادة لا يسمع المواطن ضجيجها اليوم، لكنها قد تصبح خلال أعوام أهم من كثير من عناصر القوة التقليدية، وهي سيادة البيانات؛ فمن يملك بيانات السكان والمصارف والطاقة والمياه والنفط والصحة والتعليم والحدود والنقل يمتلك صورة دقيقة عن الدولة وحركتها ونقاط قوتها وضعفها، ولهذا لا أتعامل مع البيانات بوصفها ملفاً تقنياً، وإنما أصلاً سيادياً، ومن هنا أيضاً جاءت دعوتنا إلى بناء عقل الدولة الذي يربط هذه البيانات ويحللها ويحولها إلى معرفة واستباق وقرار، خصوصاً مع انتقال العالم المتسارع من AI إلى SI، من الذكاء الاصطناعي إلى الذكاء الخارق.
لذلك قدمنا في المبادرة الوطنية للإصلاح مفهوم «فجوة السيادة» لقياس المسافة بين الحق الذي تملكه الدولة والقدرة التي تستطيع ممارستها؛ فإذا كانت الأجواء عراقية فالمقياس هو القدرة على مراقبتها وحمايتها، وإذا كان السلاح عراقياً فالمقياس هو خضوع قرار استخدامه للدولة، وإذا كانت الأموال عراقية فالمقياس هو اتساع خيارات الدولة في إدارتها، وإذا كانت البيانات عراقية فالمقياس هو امتلاك بنيتها ومفاتيحها وحمايتها، وإذا كان القرار اتحادياً فالمقياس هو نفاذه بالمعيار نفسه من زاخو إلى الفاو. وبهذه الطريقة نخرج بالسيادة من الشعارات إلى مؤشرات يمكن فحصها ومراجعتها.
لهذا فإن يوم السيادة في 30 أيلول ينبغي أن يكون بداية القياس، وأن يتحول كل عام إلى موعد نسأل فيه بالأرقام: ماذا استعدنا من قرار السلاح؟ ماذا أضفنا إلى قدرة العراق على حماية سمائه وحدوده؟ كم خفضنا اعتماد الموازنة على النفط؟ أين أصبحت بيانات الدولة؟ وما الذي أصبح عراقياً في المعرفة والتقنية والقرار ولم يكن كذلك في العام السابق؟ عندها يتضح معنى السيادة الذكية التي ندعو إليها؛ وهو أن يمتلك العراق قراره، وأن يمتلك معه القدرة التي تجعل ذلك القرار نافذاً، لأن السيادة التي تحتاج في كل مرة إلى موافقة الآخرين أو أدواتهم أو معلوماتهم أو أموالهم كي تمارس نفسها ستظل، بدرجات متفاوتة، سيادة مشروطة.




