صحافة وآراء

من السوداني إلى الزيدي.. من «الدينار أقوى» إلى غضب العراقيين

الدكتور ليث شبر

قبل ثلاث سنوات قال محمد شياع السوداني للعراقيين: «لا تقتنوا الدولار.. الدينار أقوى»، ودعاهم إلى الثقة بعملتهم ودولتهم. واليوم، في عهد علي فالح الزيدي، استيقظ العراقي على قرار خفض قيمة الدينار، فارتبكت الأسواق، وقفز الدولار في السوق الموازية إلى ما فوق 170 ألف دينار للمئة دولار في بعض التداولات، وتوقفت عمليات بيع لدى بعض التجار بانتظار اتضاح الأسعار، وبدأ القلق ينتقل خلال ساعات من الصيرفة إلى الغذاء والدواء والسكن والنقل. هذه ليست أرقاماً على شاشة مصرف؛ إنها رواتب الناس ومدخراتهم وقدرتهم على العيش.

والمؤلم أن أحداً، على ما يبدو، لم يفكر بما بعد القرار. ماذا سيفعل التاجر صباح اليوم؟ بأي سعر يعيد تسعير بضاعته؟ ماذا يقول الموظف الذي لم يزد راتبه ديناراً واحداً وقد انخفضت قدرته الشرائية؟ ماذا تفعل العائلة التي بنت موازنتها الشهرية على أسعار الأمس؟ القرار صدر في دقائق، أما ارتداداته فقد دخلت ملايين البيوت فوراً. حتى داخل البرلمان ظهرت دعوات إلى جلسة طارئة للتراجع عنه، وتحذيرات من أثره المباشر في الأسعار ومعيشة المواطنين.

وقد كتبت اليوم إلى السيد رئيس الوزراء بوضوح: القرارات السريعة المرتجلة مصيرها إما الإلغاء، أو الفشل، أو الفوضى، أو الإصرار على الخطأ؛ وكلها تزيد من معاناة الناس وتشغلنا عن الطريق الصحيح. ألم يخبرك المقربون بذلك؟ والسؤال هنا ليس استفزازاً سياسياً، وإنما سؤال دولة: أين كانت دراسة الأثر؟ أين سيناريو اليوم التالي؟ أين محاكاة حركة السوق والأسعار والسيولة؟ الدولة التي تمس قيمة عملتها بقرار بهذا الحجم يجب أن تعرف مسبقاً ماذا سيحدث في الشورجة، والصيدلية، وسوق العقار، ورفوف الغذاء، قبل أن يجف حبر توقيعها.

وما يزيد الغضب أننا لم نقف على الرصيف لننتقد. قدمنا في المبادرة الوطنية للإصلاح مقترحات مكتوبة ومفصلة: بنية مالية سيادية، دينار رقمي سيادي، سجل وطني للاستحقاقات والمدفوعات، معالجة التسرب المالي، صناعة نفطية تحول البرميل إلى قيمة مضافة، صندوق ثروة سيادي، وتصورات تجعل ثروة العراق واحتياطياته قوة تسند الدينار والاقتصاد. طرقنا أبواب الدولة بالمقترحات العلمية، ولم نجد استجابة توازي خطورة المرحلة، ولا ندري حتى هذه اللحظة: المشكلة فينا أم فيكم؟ فإن كانت مقترحاتنا خاطئة فناقشوها، وإن كانت صائبة فلماذا تهمل، ثم نذهب كل مرة إلى أقصر الطرق وأكثرها وجعاً للناس؟

ما يجري اليوم يكشف أزمة أعمق من سعر صرف. إنها أزمة طريقة تفكير في الدولة؛ قرار سريع لمعالجة ضغط آني، ثم يترك المجتمع ليتلقى الصدمة ويتدبر أمره. وبين عبارة السوداني «الدينار أقوى» وقرار حكومة الزيدي بخفض قيمته ثلاث سنوات كان يمكن أن نبني خلالها بعض أسباب القوة التي تحدثنا عنها؛ صناعة أكثر، إنتاج أكبر، منافذ أضبط، نظام مصرفي أرسخ، وثروة نفطية تتحول إلى اقتصاد حقيقي بدلاً من انتظار الدولار القادم من بيع الخام.

غضب الناس اليوم مفهوم، والأسواق لا تجامل الحكومات، والراتب لا يعرف لغة البيانات الرسمية؛ المواطن يعرف فقط ماذا كان يشتري بمليون دينار أمس، وماذا يستطيع أن يشتري به غداً. أخطر ما في الأمر أن يصبح العراقي مرة أخرى هو الجهة التي تدفع فاتورة القرار السهل. كفى تجريباً بمعيشة الناس؛ فالعراق أكبر من أن تدار أزماته بجرة قلم، والعراقيون أرهقهم أن يدفعوا ثمن كل قرار لم يُفكر أصحابه بما بعده.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى