صحافة وآراءمحاور إستراتيجية

ترامب شخصية إشكالية.. لكنه قادر على توجيه صفعة “ديزل” مزدوجة

د. أيمن أبو الشعر

بهجة وترحيب في موسكو وغضب وانتقاد في كييف وبروكسل، وترامب لا يعير أي اهتمام لوصف زيلينسكي للاتفاق بأنه مخز وضعيف


خبر مدهش بقدر ما هو متوقع

كصوت رعد في سماء صافية جاء قرار الرئيس ترامب بأنه اتفق مع نظيره الروسي بوتن بإتاحة جميع المجالات لروسيا لتصدير كميات هائلة من مشتقات النفط الروسي والمقصود الديزل للتصدير للأسواق الأمريكية والعالمية، وذلك لغاية أبريل القادم، -وسنناقش جوانب هذا القرار وارتباطه بالديزل تحديدا بعد قليل- نشير في البداية إلى أن الخطوة بحد ذاتها كانت متوقعة بقدر ما كانت مدهشة.

يتضمن الاتفاق  باختصار حسب ترامب أن الرئيس الروسي وافق على تزويد أسواق الطاقة العالمية وبشكل فوري بأكثر من 300 ألف طن من الديزل، وتعهد بتوريد 500 الف طن من الديزل أيضا الشهر المقبل، ويتضمن ذلك بالطبع إيقافا مؤقتا للعقوبات الأمريكية على قطاع الديزل الروسي، وأن مجمل التوريدات ستقترب من خمسة ملايين طن، جاء ذلك إثر اتصال هاتفي استمر ساعة ونصف، ما يعنينا هنا الانعكاس البسيكولوجي لطبيعة الصياغة التي طرحها الرئيس الأمريكي حيث أعلن عبر منصته تروث سوشيال: ” أنه أجرى اتصالا هاتفيا ناجحا جدا مع الرئيس بوتن وأسفر عن موافقة بوتن على توريد كميات ضخمة من وقود الديزل”  أي أنه طلب من بوتن وبوتن وافق وليس في إطار طلب من بوتن بل الذي يطلب هنا هو ترامب الذي بدا في هذا الظرف بحاجة إلى موافقة بوتن، ما يزيد إلى حد كبير من غضب الأوكرانيين ورأس الحربة الغربية المعادية لروسيا- بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

بواعث بالغة الأهمية

صحيح أن الرئيس ترامب شخصية إشكالية إلى حد ما ويوصف بأنه من النوع الذي يصعب تقدير ما يمكن أن يتخذ من خطوات حتى أن الرئيس بوتن كان قد أعلن إبان معركة الانتخابات الرئاسية الأمريكية أنه يفضل جو بايدن، وعلل ذلك بأنه شخصية يمكن يتم توقع أفعاله أكثر من ترامب، ولكن التصرف الحالي له بواعث واضحة تقترب من توجيه صفعة مزدوجة  للرئيس زيلينسكي وداعميه من الدول الأوروبية، ذاك أن  الرئيس ترامب كان قد طلب بنفسه من زيلينسكي أكثر من مرة – قرابة ست مرات حسب بعض المصادر- عدم قصف المصافي الروسية إلا أن زيلينسكي لم يمتثل ولم يُلبِ طلب الرئيس ترامب، كان زيلينسكي مأخوذا بنشوة تأثير قصف مسيراته للمصافي الروسية، حتى أن الرئيس بوتن اضطر بالفعل لفرض حظر على تصدير الديزل لتأمين الاحتياجات المحلية مما خلق أزمة حقيقية ترافقت بارتفاع كبير في أسعار الديزل من 3،70 دولار إلى 6،52 دولار للغالون خاصة مع تأثير تطور الأوضاع في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز.

ولا بد من الإشارة إلى أن ترامب كان قد هدد أوروبا أواخر سبتمبر الفائت بحظر الديزل الأمريكي لدفع الدول الأوربية ومجموعة السبع كي تسحب هي من احتياطاتها وتضخها في الأسواق العالمية لتخفيض أسعار الوقود التي باتت ترهق الاقتصاد الأمريكي، ويمكن عمليا أن تؤثر على الأمزجة الأمريكية ومعركة الانتخابات النصفية باتت على الأبواب، ورغم تجاوب بعض الدول الأوربية إلى ان ذلك لم يكن كافيا وفق تقديرات ترامب الذي سحب تهديده بحظر توريده الديزل الأمريكي وامتدح الخطوة الأوروبية لكنه اعتبرها مع ذلك غير كافية.

زيلينسكي يوخز ترامب بعيدا عن اللباقة الدبلوماسية

كان زيلينسكي أول الصارخين المعبرين عن امتعاض شديد خرج عن اللياقة الدبلوماسية في الحديث عن تصرف الرئيس الأمريكي فقد وجه زيلينسكي انتقادا حادا لهذا القرار واعتبر رفع العقوبات عن روسيا ولو بشكل محدود ومؤقت أمرا ليس عادلا، واعتبر قرار ترامب كهدية عيد ميلاد لبوتن – جاء ذلك بالفعل بعد يومين فقط على ميلاد بوتن، ولم يكتف بذلك بل وصف هذا الإجراء بأنه موقف ضعيف من شريك قوي، بل واعتبره مخزيا، ولكن ترامب لم يكترث بردود فعل زيلينسكي ولسان حاله يقول لقد طلبت منك عدم قصف المصافي الروسية عدة مرات، ولذا أولى بك أن تصمت ، حتى أن بعض التقارير الإعلامية تشير إلى أن أحد الصحفيين قال للرئيس ترامب أنهم وصفوك بالضعيف بسبب صفقة النفط مع روسيا، فسأل من قال ذلك؟ فأجاب الصحفي: ” زيلينسكي”، فقال ترامب: “حسنا” وطلب من صحفي آخر أن يوجه سؤاله، بمعنى أن الأمر لا يستحق حتى التعليق، وفي تناول آخر شدد ترامب على أن الصفقة جيدة وقد حصل على الوقود للعالم وهذا أمر جيد.

ردود فعل أوربية غاضبة

تحمل ردود الفعل الأوروبية طابعين اقتصادي وسياسي-عسكري فالاتحاد الأوروبي يتبنى مواقف كييف دائما، ولهذا من البديهي أن يفسر الأمر مثل زيلينسكي وكأنه هدية لبوتن، فسياسة الاتحاد الأوروبي تعتمد السعي لإضعاف الإمكانيات الاقتصادية لروسيا انطلاقا من قناعة الأوربيين بأن ذلك سيخفض الإمكانيات المادية لتمويل القدرات العسكرية، ما يذكر بمن يحجب ساقية صغيرة تصب بنهر النيل بغية تجفيفه! 

وكان للجانب الاقتصادي أهمية كبيرة بالطبع حيث وصل الأمر حد التهديد بحظر توريدات الديزل الأمريكي، أي إغراق السوق الداخلية الأمريكية مما ينعكس بشكل حاد على الأسعار انخفاضا في الولايات المتحدة وارتفاعا في الأسواق الدولية، فبريطانيا مثلا تعتمد اعتمادا كبير على الديزل الأمريكي ما يعني أن تهديد ترامب كان يمكن أن يؤثر جديا على الاقتصاد البريطاني وكذلك كثير من دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا اللاتينية خاصة بعد انقطاع الديزل الروسي وتعثر وصول نفط الشرق الأوسط كالسابق.

وقد انتقد المستشار الألماني فريديريك ميرتس خطوة واشنطن واصفا إياها بأنها خطوة خاطئة مؤكدا ضرورة الاستمرار بتكثيف الضغوط على موسكو، كما شدد ممثلو الاتحاد الأوروبي في بروكسل على أن العقوبات الأوربية ضد روسيا ستظل سارية المفعول بشكل كامل ولن تتأثر بالخطوة الأمريكية، كما أكدت المفوضية الأوربية أن سقف سعر النفط الروسي الذي فرضه الاتحاد الأوروبي وشركاؤه لا يزال جاريا كي لا تستفسد روسيا ماليا لتأمين إيرادات لدعم قدراتها الحربية. وقد انتقدت لندن ما اعتبرته محاولات لتمكين موسكو من استخدام الطفرات السعرية لإنعاش اقتصادها، واعتبرت قرار ترامب غير مناسب نهائيا.

  انتقال المواقف ترحيبا وانتقادا إلى الصحافة

كان بديهيا أن تظهر المفارقة في التعبير عن المواقف انعكاسا لموقع المحللين والمعلقين، فقد رحبت الصحف الروسية بل معظم وسائل الإعلام الروسية بالخبر وأفردت له مساحات واسعة على صفحاتها وفي الأثير المسموع والمرئي، وأبرزت تقييمات الرئيس الروسي بأن هذا الاتفاق سيؤثر إيجابيا جدا على الاقتصاد العالمي  وكانت التعليقات متسقة إلى حد كبير مع الخطاب الرسمي وخاصة الكومرسانت والإزفيستيا وروسكايا غازيتا ووكالات الأنباء مثل تاس وريا نوفستي معتبرة أن منطق الاقتصاد الروسي وفاعليته وحضوره وقوته هي التي انتصرت، وأن القرار جاء كاعتراف أمريكي صريح بأهمية الاعتماد على الطاقة الروسية ، وأن العقوبات في الواقع لا تؤدي إلى عزل روسيا بل إلى خنق الأسواق الغربية ورفع التضخم، وكان بديهيا إبراز غضب وحنق الرئيس الأوكراني وامتداح الرئيس ترامب الذي يستخدم براغماتيته بشكل إيجابي مفيد للعالم ككل.

من جهة ثانية انتقدت الصحافة الغربية خطوة ترامب هذه معتبرة أن البواعث الانتخابية لعبت دورا حاسما في تكريس هذا الاتجاه نتيجة التضخم وذعر الحزب الجمهوري، حتى أن الاسيوشيتد برس اعتبرت القرار تحولا مذهلا من الضغوط الأمريكية على موسكو، ومحاولة لمعالجة أسعار الوقود قبل أسابيع فقط من انتخابات التجديد النصفي، ولم يخل تعليق إذاعة فرنسا من غمز ساخر حيث استشهدت برسالة ترامب الانتخابية التي رجحت أن يكون قد صاغها بنفسه كدغدغة لمشاعر الناخبين من المزارعين والسائقين ومربي الماشية، أولئك الذين يخشى البيت الأبيض خسارتهم بسبب تأثرهم بالتضخم حيث توجه إليهم بقوله: ” إن خفض الأسعار للأمريكيين، وخاصة لمزارعينا العظماء ومُربي الماشية وسائقي الشاحنات، هو أولويتي القصوى ” .

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى