
إلى جانب توسيع التعاون في مختلف المجالات ورفع التبادل التجاري إلى 50 مليار دولار قمة روسيا وإفريقيا ترفض العقوبات الأحادية والإملاءات الخارجية
قمة روسيا – إفريقيا تقلب الطاولة على المساعي الغربية
المثال الساطع الثالث الذي يُظهِر أن الأيام الثلاثة أواخر أكتوبر 2026 قد هزت بالفعل كل المساعي الغربية، وخاصة الأوروبية لتكريس فرض عزلة على روسيا، فهو قمة روسيا- إفريقيا التي اختتمت أعمالها في 29 من أكتوبر، والتي شاركت فيها 48 دولة بحضور 22 رئيسا عدا عن قادة عشر منظمات دولية وإقليمية بمن فيهم ندايشيمي رئيس الاتحاد الإفريقي، وقرابة 4 آلاف رجل أعمال من روسيا ومختلف أنحاء العالم، الأرقام بحد ذاتها تكاد تسخر من تلك المحاولات الغربية أليس كذلك؟!
زد على ذلك المضمون المخيب لآمال الدول الغربية، فقد تناولت مناقشات القمة أربعة محاور رئيسية وهي : السيادة بمعنى عدم الانجرار وراء قرارات دول أخرى، والحفاظ على استقلالية الدول الإفريقية وقراراتها التي تتخذ وفق مصالحها ، ودعم الاقتصاد العالمي أيضا بعيدا عن التكتلات والأحلاف أي الحفاظ أيضا على الطابع السيادي، والتعاون في المجالات الاجتماعية والإنسانية، ثم تكريس وتوسيع التعاون في مجالات التكنولوجيا والابتكار، هذا ناهيك عن النشاطات الإعلامية الهائلة المرافقة لهذا الحدث واستضافة منتدى الشباب الروسي الإفريقي في معهد العلاقات الدولية في موسكو، وهو بحد ذاته توجه بالغ الذكاء والحيوية حيث يتم التوجه عمليا إلى شباب اليوم- مسؤولي المستقبل في دولهم، ثم اجتماع العمل الذي عقده الرئيس بوتن في قصر الكرملين مع رؤساء المنظمات الإقليمية الكبرى الذي يعني أن عشرات الدول الإفريقية ستكرس جانبا كبيرا من إعلامها للحدث عن هذا الحدث باعتباره حدثا إفريقيا شاملا، ثم حفل الاستقبال الرسمي على شرف المشاركين في هذه القمة النوعية المميزة التي توجت بصدور بيان رسمي بمثابة إعلان للتعاون ممهور بخطة عمل واضحة المعالم والأهداف للعامين القادمين، كما تم توقيع عدد كبير من الوثائق الحكومية والدولية والبينية، ناهيك عن عقود تجارية هامة مع دول إفريقيا، تجدر الإشارة إلى أن معظم هذه الوثائق قد وقع ليس في ختام تنفيذ جدول الأعمال بل قبل بدئه لأن هذا الجدول كان من الكثافة بمكان إلى درجة أن أوشاكوف مساعد الرئيس الروسي اعتبره مكثفا إلى درجة مجنونة…
حدث تاريخي الأول من نوعه هذا العام
ويمكن القول أن الاهتمام الذي أولته موسكو لهذه القمة كان كبيرا بكل بساطة لأن انعقادها بحد ذاته في موسكو يعتبر من أهم الأحداث عموما بالنسبة لروسيا في هذا العام، وذلك ليس فقط من خلال حجم المشاركة الفعالة الهائلة بل ولتوقيت هذه القمة الذي تزامن مع إصرار أوروبا بالدرجة الرئيسية على متابعة سياسة العقوبات ومحاولة عزل روسيا، ولهذا نرى أن الرئيس الروسي عقد اجتماعا موسعا مع رؤساء المنظمات الإقليمية في قصر الكرملين مع إتاحة الفرصة لعدد كبير من أجهزة الإعلام والصحفيين لمتابعة هذا اللقاء ومجمل الحدث ونشاطاته الاقتصادية والإنسانية والشبابية بمعنى أن سيلا هائلا من المقالات والربورتاجات والأخبار سينطلق على مدى عدة أيام في أكثر من سبعين دولة من مختلف أرجاء العالم، حيث شارك في القمة ليس ممثلو الدول المدعوة وحسب بل أشخاص تهمهم هذه القمة من 74 دولة وبمساهمة 630 شركة معنية بشكل مباشر بمجريات العلاقات الروسية الإفريقية، ويتم السعي لرفع حجم التبادل التجاري قريبا إلى أكثر من 50 مليار دولار خاصة أن التبادل عبر العملات الوطنية يصل إلى 85% حسب بوتن، ومن البديهي أن تتلقف هذه المعطيات الوكالات والمنابر الإعلامية الأخرى ما يشكل سيلا جارفا يجعل من محاولات عزل روسيا أشبه بالركام العبثي الذي تجرفه السيول عادة، حتى أن كوبياكوف مستشار الرئيس الروسي بأن هذه القمة جذبت اهتماما واسعا ليس في روسيا وإفريقيا وحسب بل في مختلف أصقاع العالم.
ويمكن القول أن القمة كانت جسرا للإعلانات السياسية الحساسة حيث أكد الرئيس الروسي في كلمته أن العالم متعدد الأقطاب أصبح واقعا ملموسا وأن روسيا وإفريقيا يلتزمان بنظام عالمي عادل ومتعدد الأقطاب مشددا على أن إفريقيا هي قارة المستقبل، ونوه بما تلعبه الجامعات الروسية في إعداد الكوادر حيث تمت زيادة المنح الدراسية لتصل إلى أربعين ألف منحة للطلاب الأفارقة، وقد أقر توسيع عدد هذه المنح ب 5500 مقعد إضافي للعام القادم، فعن أية عزلة يمكن أن يجري الحديث؟
نتائج ساطعة بعيدا عن مطامح الخصوم
وهكذا يتوضح مدى سطوع نتائج هذه القمة سواء على الصعيد السياسي حيث تم التأكيد على رفض الإملاءات واستقلالية القرار الإفريقي، بل ورفض فرض عقوبات أحادية غير ممهورة من المنظمة الدولية المخولة وهي الأمم المتحدة، وكذلك رفض تجميد أرصدة الذهب والاحتياطات النقدية مما يعتبر خطوة بالغة الأهمية بالنسبة لموسكو ، إلى جانب توسيع التعاون في مختلف المجالات بشكل باهر تماما حيث تم توقيع أكثر من 60 اتفاقية متنوعة انفرادية أو مع عدد من الدول الإفريقية ، وشملت إلغاء متبادل للتأشيرات، وهذا يعني تعميق التواصل حتى على المستوى الشعبي، وكذلك التعاون في مجال النقل البري والسكك الحديدة والطيران ما يسهل من التبادل التجاري وحركة نقل البضائع، وهناك اتفاقيات التعاون في مجال التعليم كما أسلفنا.
كما أن روسيا أكدت في هذه القمة أنها تضمن الأمن الغذائي للقارة السمراء حيث تساهم في تسهيل وصول البضائع الإفريقية إلى روسيا والعكس بما في ذلك الحبوب والأسمدة، ومساعدتها في المجال الصحي وكذلك في محاربة الإرهاب.
لقاءات نوعية مع العديد من قادة الدول
لقاءات الرئيس بوتن مع العديد من رؤساء الدول كانت فعالة وعملية وقدمت معطيات مميزة في إطار تعميق التعاون والتنسيق المشترك على الساحة الدولية ومن أبرز هذه اللقاءات على سبيل المثال لقاؤه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حيث تم التأكيد على متابعة بناء مشروع محطة الضبعة النووية وفق جدولها الزمني مع التنويه بارتفاع التبادل التجاري بين البلدين بنسبة أربعة عشر في المئة، وأكد الرئيس السيسي على تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع روسيا التي تقدم حسب بوتن قروضا بقيمة ثلاثة وعشرين مليار دولار وخمسمئة مليون دولار لاستكمال بناء محطة الضبعة كما اعتبر الرئيس بوتن مصر من أهم الشركاء الاستراتيجيين لروسيا.
وكانت القمة جسرا للإعلانات السياسية الحساسة حيث أكد الرئيس الروسي في كلمته أن العالم متعدد الأقطاب أصبح واقعا ملموسا وأن روسيا وإفريقيا يلتزمان بنظام عالمي عادل ومتعدد الأقطاب مشددا على أن إفريقيا هي قارة المستقبل، ونوه بما تلعبه الجامعات الروسية في إعداد الكوادر ولهذا تمت زيادة المنح الدراسية للطلاب الأفارقة كما لاحظنا.
نذكِّر في الختام بأن هذه الأيام الثلاثة كانت بمثابة صفعة لمن خطط لفرض عزلة على روسيا، وحاول تنفيذها وإقناع نفسه بأنه سينجح بذلك، كمن يقنع نفسه بأنه سيتمكن من خنق انفجار قنبلة إن هو شد أكثر فأكثر بيديه عليها!!! وسيشعر بمدى غبائه حين يرى أصابعه متناثرة على الأرض!




