صحافة وآراء

إتفاقية المياه بين العراق وتركيا

مارلين موسى

تشهد العلاقات بين تركيا والعراق مرحلة حساسة تتداخل فيها القضايا الأمنية مع الملفات المائية، في مشهد يعكس تعقيدات الجغرافيا والسياسة على حد سواء. فالحدود المشتركة بين البلدين، الممتدة عبر مناطق جبلية وعرة شمال العراق، تحولت منذ سنوات إلى نقطة توتر مستمر بسبب العمليات العسكرية التركية ضد حزب العمال الكردستاني، الذي تتهمه أنقرة باستخدام الأراضي العراقية منطلقًا لهجماته. في المقابل، يرى العراق أن التوغلات العسكرية التركية تمثل انتهاكًا لسيادته، رغم إدراكه أن السيطرة الكاملة على تلك المناطق الخارجة عن نفوذ بغداد المباشر تظل مهمة شديدة الصعوبة.

لكن التوتر الحدودي لا ينفصل عن ملف آخر أكثر تعقيدًا هو المياه. فمنذ أن شرعت تركيا في تنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول الذي شمل بناء سلسلة من السدود الضخمة على نهري دجلة والفرات، دخلت علاقتها مع العراق مرحلة من التوتر المتقطع. فالعراق الذي يعتمد على هذين النهرين كمصدر رئيسي للحياة والزراعة والطاقة، يرى في السياسات المائية التركية تهديدًا مباشرًا لأمنه المائي والغذائي، في حين تصر أنقرة على أن ما تقوم به يدخل ضمن “حقها السيادي في استثمار مواردها الطبيعية.

ما يجعل العلاقة أكثر حساسية هو أن تركيا كثيرًا ما ربطت بين التعاون الأمني على الحدود وموقفها من تقاسم المياه. فكلما أبدت بغداد، أو حكومة إقليم كردستان، تعاونًا في ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني أو في ضبط الحدود، أظهرت أنقرة مرونة أكبر في إطلاق كميات إضافية من المياه عبر سدودها. هذه المعادلة غير المعلنة، التي يمكن تلخيصها بشعار “الأمن مقابل المياه”، أصبحت واقعًا في السياسة الإقليمية، رغم محاولات بغداد المتكررة الفصل بين الملفين والتعامل مع قضية المياه بوصفها شأنًا دوليًا يجب أن يحكمه القانون والمعاهدات.

وفي السنوات الأخيرة، خاصة بعد عام 2023، بدأت أنقرة وبغداد خطوات جديدة نحو صياغة تفاهم أوسع يشمل التعاون الأمني والمائي معًا. فقد تحدث مسؤولون من الجانبين عن اتفاق محتمل يربط زيادة الإطلاقات المائية من سد إليسو بتوسيع التنسيق العسكري والاستخباراتي ضد التنظيمات المسلحة في شمال العراق. وفي الوقت ذاته، تسعى تركيا إلى فتح معابر جديدة وتعزيز التبادل التجاري مع إقليم كردستان ضمن إطار “الأمن المشترك والتنمية المتبادلة”.

لكن هذا النهج ما زال يثير تحفظات داخل العراق، حيث تخشى أطراف سياسية أن يؤدي الدمج بين الملفين إلى تكريس نفوذ تركي طويل الأمد في الشمال، مقابل تنازلات في قضية المياه التي تمس حياة ملايين العراقيين. كما أن التغير المناخي وتراجع معدلات الأمطار في تركيا والعراق معًا يزيدان من خطورة الأزمة ويجعلانها أكثر تشابكًا من أي وقت مضى.

ورغم كل الخلافات، يدرك البلدان أن أي قطيعة أو تصعيد لن يكون في مصلحتهما. فتركيا تحتاج إلى عراق مستقر تجاريًا وأمنيًا لتوسيع مشاريعها الاقتصادية في المنطقة، والعراق بدوره بحاجة إلى تعاون تركي في إدارة الموارد المائية ومكافحة الجماعات المسلحة. وبين الأمن والماء، تبقى الحدود التركية العراقية مرآة دقيقة تعكس توازنات القوة والمصالح في المشرق، حيث لا يمكن فصل السياسة عن الجغرافيا، ولا الأمن عن الماء.

ففي نوفمبر 2025، وقّع العراق وتركيا اتفاقًا جديدًا لتنفيذ مشروعات البُنى التحتية المائية داخل العراق، استنادًا إلى اتفاق التعاون المائي الذي أُبرم بين البلدين في أبريل 2024، تم توقيع الاتفاق بين بغداد (العراق) و أنقرة/تركيا في 2 نوفمبر 2025 تحت عنوان “ميكانيزم تنفيذ” لاتفاق المياه بين البلدين.

الحضور الرسمي البارز كان كالتالي:

  • من الجانب التركي: هاكان فِيدان، وزير الخارجية التركي، وقّع الوثيقة نيابةً عن تركيا.
  • من الجانب العراقي: فؤاد حسين، نائب رئيس الوزراء ووزير خارجيّة العراق، وقّع الوثيقة نيابةً عن العراق.
  • أيضاً حضر من الجانب العراقي: محمد شيا ال‑سُدّاني، رئيس الوزراء العراقي، حيث استقبَل وزير الخارجية التركي لدى زيارته بغداد.

مكان اللقاء الرسمي كان في بغداد، العراق ..

ينص الاتفاق على أن الشركات التركية ستتولى تنفيذ المشروعات، بينما يُموَّل تنفيذها من عائدات النفط العراقي المصدَّرة إلى تركيا. تشمل المرحلة الأولى من التنفيذ بناء ثلاثة سدود لحصاد المياه ومشروعات استصلاح أراضٍ زراعية في مناطق مختلفة من العراق. ستُنشئ الحكومة العراقية لجنة خاصة لإدارة المشروعات ودعوة الشركات التركية للمناقصات.

الاتفاق يمثل انتقالاً من الإطار السياسي العام إلى آلية تنفيذ عملية تضمن تحسين إدارة المياه، ومواجهة أزمة الشح المزمن الذي تفاقم بسبب تناقص تدفقات نهري دجلة والفرات القادمين من تركيا. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تفتح المجال لتعاون اقتصادي أوسع يشمل مجالات الطاقة والبنى التحتية مقابل تحسين حصة العراق المائية.

تنفيذ مشاريع البُنى التحتية للمياه بين العراق وتركيا، تعكس تحولاً استراتيجياً في العلاقات بين البلدين، إذ يتجاوز الاتفاق الجانب الفني والهندسي نحو مقاربة سياسية اقتصادية شاملة تسعى لتحقيق توازن في المصالح المشتركة ضمن بيئة إقليمية معقّدة، ويأتي في إطار إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد سنوات من التوتر بين تركيا والعراق بسبب ملفات أمنية (التواجد العسكري التركي في شمال العراق، ملف حزب العمال الكردستاني) وملف المياه المزمن.

تركيا اختارت استخدام “دبلوماسية التنمية” بدل “دبلوماسية السيطرة على المياه”، فبدلاً من فرض شروط عبر التحكم بالتدفقات المائية، قدّمت نفسها كشريك في إعادة إعمار وتحديث البنية التحتية المائية داخل العراق، بهذا الأسلوب، تسعى أنقرة إلى:

  • تحسين صورتها الإقليمية وتثبيت نفوذها الاقتصادي.
  • بناء علاقة تعاون طويلة الأمد مع بغداد تُوازن النفوذ الإيراني داخل العراق.
  • خلق مجال نفوذ اقتصادي – لوجستي مرتبط بالمياه والطاقة والنفط معاً.

أما العراق من جانبه ينظر إلى الاتفاق كإنجاز سياسي وسيادي، إذ أنه للمرة الأولى يتم تثبيت التزامات تنفيذية تركية ضمن إطار تمويلي واضح ومشاريع ملموسة داخل أراضيه.
الرؤية العراقية تتلخص في:

  • تحويل الأزمة إلى شراكة: فبدلاً من الاكتفاء بالاحتجاج على خفض الحصص المائية، اختار العراق إدخال تركيا في دائرة الحل عبر الاستثمار والتنفيذ.
  • تقوية موقفه التفاوضي: بما أن المشاريع ستُموّل من عائدات النفط المصدّر عبر تركيا، فإن العلاقة الاقتصادية تصبح متبادلة وليست تبعية أحادية.
  • تحقيق مكاسب داخلية: الحكومة العراقية (برئاسة محمد شياع السوداني) تسعى إلى تقديم الاتفاق كإنجاز وطني يعالج أزمة المياه التي تؤثر على ملايين العراقيين، ما يعزز ثقة الشارع والدعم السياسي للحكومة.
  • مصلحة تركيا:

سياسياً، تمثل هذه الخطوة جزءاً من استراتيجية “النفوذ عبر التنمية التي تتبعها تركيا في الإقليم بعد 2023، وهي تقوم على:

  • الاستثمار في دول الجوار لتعزيز الاستقرار والاعتماد المتبادل بدل المواجهة.
  • توظيف الشركات التركية في مشاريع استراتيجية داخل العراق، مما يوسع السوق التركي ويخلق فرصاً اقتصادية ضخمة.
  • ربط ملف المياه بملف الطاقة والنفط، فالاتفاق يمول من عائدات النفط العراقي الذي يُصدَّر عبر الأراضي التركية، أي إن العلاقة المائية أصبحت مرتبطة بمصالح اقتصادية مباشرة لتركيا.

وفي البعد السياسي وتأثيره إقليميا الاتفاق يوجّه رسالة مزدوجة إلى الأطراف الإقليمية إلى إيران بأن العراق يمتلك الآن بدائل تعاون فعّالة مع تركيا، وهو ما يحد من الهيمنة الإيرانية على ملفات المياه والطاقة، وإلى دول الخليج بأن العراق قادر على بناء شراكات إقليمية مستقلة تحقق له مكاسب استراتيجية واخيرا إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بأن تركيا والعراق يعملان على إدارة مواردهما الحيوية دون تدخل مباشر من القوى الكبرى، في إطار توازن إقليمي جديد، ففي تركيا، يأتي الاتفاق ضمن سياسة أردوغان الخارجية القائمة على “تصفير الأزمات” واستعادة العلاقات مع الجوار بعد سنوات من التوتر، وهو يُقدَّم للرأي العام التركي كنجاح دبلوماسي يفتح الباب أمام شركات تركية بمليارات الدولارات من الاستثمارات في العراق.
أما في العراق، فالقيادة ترى في الاتفاق ورقة توازن داخلية بين التيارات السياسية: فهو يعزز مكانة الحكومة أمام المعارضة والبرلمان، ويُظهرها كحكومة قادرة على حماية حقوق البلاد المائية عبر التعاون لا الصراع.

هذا الاتفاق ليس مجرد مشروع للبنى التحتية، بل هو تحالف مصالح ناعم يجمع بين المياه والنفط والسياسة.
فالعراق يهدف إلى حماية أمنه المائي واستقرار حكومته، وتركيا تسعى إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في المنطقة من خلال التعاون لا الإملاء.
إنه تحول من دبلوماسية الضغط المائي إلى دبلوماسية الشراكة المائية، وهو تطور يُتوقع أن ينعكس على مجمل العلاقات الإقليمية في الشرق الأوسط خلال العقد القادم.

  • لم يتم إظهار نص الإتفاقية الرسمي بعد، إلا أن اهم البنود المذكورة هي:
  • تحسين نوعية المياه وكبح تلوّث الأنهار: الاتفاقية تضع ضمن أولويّاتها تحسين نوعية المياه والحد من تلوث الأنهار.
  • تطوير التقنيات الحديثة للري: تشمل بندًا لتطبيق أساليب ريّ حديثة، ترشيد استخدام المياه الزراعية، إعادة تأهيل الأراضي الزراعية المتضرّرة.
  • حوكمة المياه والاستخدام الرشيد: تم الاتفاق على «تعزيز الحوكمة المائية» والانتقال نحو الاستخدام الرشيد للموارد.
  • تشكيل فريق مشترك للتخطيط: ينصّ الاتفاق على تشكيل «فريق استشاري ثنائي» بين البلدين لتحديد أولويّات المشاريع وتخطيطها.
  • طرح المناقصات لشركات تركية بمشاركة عراقية: ينصّ ميكانيزم التنفيذ على أن تُعلن السلطات العراقية مشاريع لطرحها لشركات تركية بمشاركة عراقية محلية.
  • تمويل المشاريع عبر عائدات نفطية عراقية: أحد البنود المثيرة أنّ التمويل يُرتبط بعائدات مبيعات النفط العراقي، ويُحدَّد أن العراق يحصل على نسبة من الأرباح عند إعادة البيع في أسواق أوروبية.
  • مدة سريان الاتفاق والإطار الزمني: تورد بعض المصادر أن الاتفاق الإطاري سُجِّل في 22 أبريل 2024 ويُعدّ صالحاً لمدّة 10 سنوات.
  • ملاحظة:
  • الاتفاق لا يبدو حتى الآن أنه ينصّ على حصة مائية مضمونة قانونيًا واضحة للعراق  بعض المصادر تشير إلى أن ذلك البند «غير مُلزم» بوضوح.
  • ميكانيزم التنفيذ (التنفيذ المالي والإداري) جاء لاحقًا في نوفمبر 2025 لتطبيق الاتفاق الإطاري.
  • تركيا ستشرف لفترة محدّدة (خمس سنوات مثلاً) على البنى التحتية المائية العراقية، لكن هذا الأمر غير مؤكد بالكامل.
  • المبعوث الأميركي والتهنئة:

جاءت زيارة المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق لتثير تساؤلات حول طبيعة الدور الذي تسعى واشنطن إلى لعبه في هذه المرحلة الحساسة. فالزيارة لم تكن بروتوكولية كما حاولت بعض التصريحات الرسمية الإيحاء، بل جاءت في لحظة دقيقة أعادت رسم التوازنات الإقليمية بين تركيا والعراق، في وقت تبدو فيه الولايات المتحدة حريصة على ألا تُستبعد من مشهد التحولات الجارية عند منابع ومجاري نهري دجلة والفرات.

المبعوث الأميركي مارك سافايا وصل إلى بغداد بعد أيام قليلة من إعلان “آلية التنفيذ” الخاصة بالاتفاق المائي بين البلدين،  توقيت الزيارة الأميركية لم يكن صدفة. فواشنطن تتابع عن كثب تنامي الدور التركي في شمال العراق، ليس فقط عسكريًا عبر قواعدها الحدودية، بل أيضًا اقتصاديًا ومائيًا، ما قد يمنح أنقرة أوراق ضغط إضافية في الإقليم على حساب النفوذ الأميركي التقليدي، لذلك، جاءت زيارة سافايا لتؤكد أن الولايات المتحدة ما زالت ترى في العراق محورًا حيويًا ضمن حساباتها الشرق أوسطية، وأنها لا تنوي ترك ملف المياه، بما يحمله من أبعاد اقتصادية وأمنية، بيد أنقرة وحدها.

الرسالة التي حملها المبعوث الأميركي كانت مزدوجة: دعم الاتفاق بوصفه خطوة تعزز الاستقرار الإقليمي من جهة، ومراقبة كيفية توظيف تركيا لهذا الاتفاق من جهة أخرى. فالإدارة الأميركية، وتحديدًا في عهد الرئيس دونالد ترامب، تميل إلى سياسة “الصفقات المتبادلة” القائمة على النفوذ والاقتصاد، وليس فقط الدبلوماسية التقليدية. ومن هذا المنطلق، ينظر مراقبون إلى التحرك الأميركي باعتباره محاولة لاستثمار الاتفاق المائي في تعزيز حضور الشركات الأميركية في مشاريع البنية التحتية العراقية المقبلة، خاصة أن الاتفاق التركي العراقي يفتح الباب أمام استثمارات ضخمة في مجالات الطاقة والمياه والزراعة.

لكن البعد الأعمق للزيارة يرتبط بحسابات ترامب الإقليمية، فالإدارة الجمهورية تسعى لإعادة ضبط حضورها في الشرق الأوسط بعد مرحلة من التراجع النسبي، والعراق يمثل في ذلك موقعًا مركزيًا. فبين النفوذ الإيراني المتزايد، والطموح التركي المتصاعد، تبدو واشنطن مطالبة باستعادة زمام المبادرة في ملفي الأمن والمياه، وكلاهما يتقاطع عند الحدود العراقية التركية. ومن خلال هذه الزيارة، أرادت الولايات المتحدة أن تذكّر شركاءها بأنها ما تزال حاضرة في تفاصيل اللعبة، وأن استقرار تدفق المياه من الأناضول إلى بلاد الرافدين لن يُبحث بمعزل عن مصالحها السياسية والاقتصادية.

هكذا، لم تكن زيارة المبعوث الأميركي مجرد تحية دبلوماسية لاتفاق مائي، بل خطوة محسوبة في إطار صراع النفوذ الهادئ بين القوى الكبرى على منابع الحياة في المنطقة. فالماء هنا لم يعد مجرد مورد طبيعي، بل أداة في موازين القوة، وورقة تُستخدم لتثبيت مواقع الدول في خريطة الشرق الأوسط الجديد، حيث تحاول واشنطن، من جديد، أن تضمن أن يكون لها مكان في مجرى الأحداث قبل أن تجف مياه السياسة في دجلة والفرات.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى