
التقرير السنوي لحالة حقوق الإنسان في العراق-2025.. نظام فاشل بنيوياً وسلطة مفروضة بالقوة لإدامة القمع وإنتاج الأزمات
أعدّ قسم الحقوق في هيئة علماء المسلمين في العراق التقرير السنوي لحالة حقوق الإنسان في العراق، نعيد وضعه بين أيديكم.
لمحة عامة
بات جليا للقاصي والداني أنه لم يعد من الممكن توصيف ما يجري في العراق بوصفه تعثرًا في التجربة الديمقراطية، أو إخفاقًا مرحليًا في إدارة الدولة، بل هو واقع يُجسّد انهيارًا كاملًا لمفهوم الحكم القائم على الإرادة الشعبية والحقوق والعدالة. إن النظام السياسي القائم في العراق لم يفشل في حماية حقوق الإنسان فحسب، بل نجح – وبشكل منهجي – في تحويل الدولة نفسها إلى أداة لإدامة القمع، وإنتاج الفقر والجهل، وتكريس الخوف، وتجريد المجتمع من قدرته على التغيير.
لقد تشكّل هذا النظام على قاعدة تقاسم النفوذ لا بناء الدولة، وعلى شرعنة القوة لا سيادة القانون، وعلى تحييد المجتمع لا تمكينه. ومع مرور الوقت، تحوّلت مؤسسات الحكم إلى واجهات فارغة، تُدار من خارجها القرارات الحقيقية، بينما جرى اختطاف السياسة وتحويلها إلى مجال مغلق تتحكم به قوى لا تخضع لأي رقابة شعبية أو مساءلة قانونية. وفي هذا السياق، لم تعد انتهاكات حقوق الإنسان نتيجة سوء إدارة أو غياب خبرة، بل أصبحت وظيفة أساسية من وظائف النظام السياسي ذاته.
ففي العراق الجديد؛ تُقابل أي محاولة للمطالبة بالحقوق أو مساءلة السلطة بالقمع المباشر، وتُعامل حرية التعبير بوصفها تهديدًا أمنيًا، ويُصنَّف الاحتجاج السلمي كفعل عدائي يستوجب الرد بالقوة المميتة. وقد أُريقت دماء المحتجين، وخُطِف النشطاء، وأُسكت الصحفيون، دون أن يتحقق أي شكل من أشكال العدالة، ما يؤكد أن العنف ليس انحرافًا عن النظام، بل أداته الرئيسية في ضبط المجتمع وإبقائه في حالة خضوع دائم.
وعلى المستوى الاقتصادي، يمارس النظام السياسي عنفًا من نوع آخر، أقل صخبًا وأكثر تدميرًا: عنف التجويع، والتهميش، وحرمان الملايين من أبسط حقوقهم في العمل والخدمات والضمان الاجتماعي. فعلى الرغم من الثروات الهائلة، جرى تحويل الاقتصاد إلى غنيمة تُوزَّع بين شبكات السلطة، بينما تُرك المجتمع يواجه الفقر والبطالة وانهيار البنى التحتية، في واحدة من أكثر صور الظلم الاجتماعي فجاجة في المنطقة.
أما ما يُسمى بالعملية الانتخابية، فلم تعد سوى طقس دوري لإعادة إنتاج نفس السلطة، تُستخدم فيه صناديق الاقتراع كأداة لتزييف الإرادة الشعبية لا التعبير عنها. انتخابات تُجرى في ظل السلاح المنفلت، والمال السياسي، والتلاعب بالقوانين، وغياب تكافؤ الفرص، لا يمكن اعتبارها مسارًا ديمقراطيًا، بل غطاءً شكليًا لسلطة فقدت أي تفويض حقيقي. إن العزوف الشعبي الواسع ليس حالة لامبالاة، بل موقف سياسي صامت يعبّر عن القطيعة العميقة بين المجتمع والنظام، ومؤشر على تآكل الثقة العامة بالنظام القائم وبقدرته على تحقيق التغيير عبر الوسائل الديمقراطية.
إن النظام السياسي القائم في العراق لم يعد قادرًا على الإصلاح، لأنه قائم أصلًا على نفي الإصلاح، ولم يعد مؤهلًا لقيادة الدولة، لأنه بُني على تقويضها. واستمرار هذا النظام يعني استمرار الانتهاكات، واستمرار الانهيار، واستمرار تحويل العراق إلى مساحة مفتوحة للأزمات، تُدار فيها الحياة العامة بالقوة لا بالحق، وبالخوف لا بالرضا.
ومن هذا المنطلق، لا يكتفي هذا التقرير بتوثيق الانتهاكات، بل يسعى إلى تفكيك الأساس السياسي الذي يُنتجها، وفضح العلاقة العضوية بين بنية النظام القائم وما يشهده العراق من قمع وفشل وانسداد تاريخي. وهو دعوة صريحة لإعادة الاعتبار لحق العراقيين في تقرير مصيرهم، وبناء نظام سياسي جديد يقوم على المساءلة الحقيقية، والعدالة، والكرامة الإنسانية، بعيدًا عن منظومة فقدت أي مبرر أخلاقي أو وطني للاستمرار.
ويخلص هذا التقرير إلى أن حالة حقوق الإنسان في العراق تشهد تدهورًا هيكليًا مستمرًا، ناتجًا عن إخفاق بنيوي في منظومة الحكم، وعجز مزمن في مؤسسات الدولة عن احترام وحماية وإنفاذ الحقوق والحريات الأساسية. ويؤكد التقرير أن الانتهاكات الموثقة لا تمثل حوادث منفصلة أو استثناءات ظرفية، بل تعكس نمطًا ممنهجًا يرتبط بطبيعة النظام السياسي القائم وآليات إدارته للسلطة.
ويوثق التقرير انتهاكات جسيمة ومتكررة للحقوق المدنية والسياسية، بما في ذلك الاستخدام المفرط وغير المتناسب للقوة ضد المتظاهرين السلميين، والقتل خارج نطاق القضاء، والاعتقال التعسفي لأصحاب الرأي، والاختفاء القسري، إضافة إلى القيود الواسعة على حرية التعبير، وتكوين الجمعيات، والعمل الصحفي. وقد جرت هذه الانتهاكات في مناخ يتسم بغياب المساءلة الفعالة، وفشل السلطات المختصة في إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة، أو في محاسبة المسؤولين عنها، مما أسهم في ترسيخ الإفلات من العقاب بوصفه ممارسة مؤسسية.
كما يرصد التقرير تدهورًا حادًا في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، على الرغم من الموارد المالية الكبيرة التي يمتلكها البلد. ويشير إلى أن الفساد المنهجي، وسوء إدارة المال العام، وتسييس المؤسسات الاقتصادية والخدمية، أدت إلى تفاقم معدلات الفقر والبطالة، وانهيار الخدمات الأساسية، وحرمان شرائح واسعة من السكان من التمتع بحقوقهم في مستوى معيشي لائق، والصحة، والتعليم، والضمان الاجتماعي، بما يتعارض مع التزامات العراق بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وعلى المستوى الأمني، يلاحظ التقرير أن استمرار تعدد الجهات المسلحة خارج إطار القيادة المدنية الموحدة، وضعف السيطرة الفعلية للدولة على أدوات القوة، أسهما في تقويض سيادة القانون، وإضعاف الثقة العامة بالمؤسسات، وخلق بيئة غير آمنة تعيق ممارسة الحقوق والحريات الأساسية. كما أدى هذا الواقع إلى تسييس الوظيفة الأمنية، واستخدامها في بعض الحالات لتقييد الفضاء المدني بدلًا من حمايته.
ويؤكد التقرير أن استمرار الوضع القائم يشكل خطرًا جديًا على حماية حقوق الإنسان، وعلى الاستقرار المجتمعي، وعلى التزامات العراق الدولية. ويخلص إلى أن المعالجات الجزئية أو الإصلاحات الشكلية لم تعد كافية، وأن هناك حاجة ملحّة إلى مسار إصلاحي جذري يستند إلى ضمان المساءلة، وتعزيز استقلال القضاء، وحماية الفضاء المدني، وضمان مشاركة سياسية حقيقية، بما يضع حدًا للانتهاكات الممنهجة ويعيد الاعتبار لكرامة الإنسان وسيادة القانون.




