صحافة وآراء

العالم دخل في بوتقة الخطر النووي مجدداولا رقابة على العملاقين النوويين بعد الآن

د. أيمن أبو الشعر

  • معاهدات تخفيض الأسلحة النووية خلال ستين عاما أبقت 3000 رأس نووي من أصل أكثر من 70000 رأس إبان الذروة لدى روسيا وأمريكا

انتهت المعاهدة رسميا
كما كان متوقعا حلَّ يوم الخامس من فبراير ولم يأت رد من واشنطن على اقتراح الرئيس الروسي بتمديد معاهدة ستارت الجديدة، ما دفع بوزارة الخارجية الروسية إلى الإعلان رسميا عن انتهاء صلاحية معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والتي كانت واقعيا قد لعبت لسنوات عديدة دورا إيجابيا في زيادة الاستقرار الأمني في العالم، حيث أسفرت عن تخفيضات كبيرة جدا من الأسلحة النووية عند الطرفين ،ناهيك عن تكريسها للشفافية في مراقبة الواقع والنشاط النووي لدى كل طرف، وأعلنت موسكو عن موقف مسؤول بأنها تنوي التصرف بحكمة ومسؤولية في توجه سياستها المتعلقة بالأسلحة الهجومية الاستراتيجية، وذلك بعد أن تُجري تحليلا دقيقا لسياسة الولايات المتحدة العسكرية بعد تحررها من قيود المعاهدة، كما أنها أشارت صراحة إلى حقيقة أن طرفي المعاهدة لم يعودا ملزمين بأي تعهدات أو التزامات بهذا الخصوص، بل باتا حُرين تماما في ممارساتهما اللاحقة، لكنها نوهت في غضون ذلك بأن روسيا يمكن أن تتخذ إجراءات عسكرية مضادة وحاسمة في حال ظهور أية تهديدات لأمنها القومي.

اتهامات متبادلة
في الواقع مرت المعاهدة في سنواتها الأخيرة بإشكالات جدية حيث اتهمت واشنطن روسيا بعدم تنفيذ التزاماتها بشأن السماح بإجراء عمليات تفتيش على أراضيها بموجب معاهدة ستارت الجديدة للحد من انتشار الأسلحة النووية، واعتبرت ذلك مؤشرا يهدد بفشل هذه المعاهدة، في حين ترى موسكو أن الولايات المتحدة لم تعد تتمتع بتلك الثقة التي تؤهلها أن تكون شريكا في المعاهدة انطلاقا من انحيازها بشكل كامل لصالح أوكرانيا، بل وتزويدها بمختلف أنواع الأسلحة، وحتى الإعلان عن سعيها لتحقيق هدف الحاق هزيمة استراتيجية بروسيا، وقد أعلنت موسكو بالفعل في الفترة الأولى عن تأجيل الاجتماع الروسي الأمريكي بخصوص بعض الإجراءات المتعلقة بالمعاهدة لأجل غير مسمى خاصة أن العلاقات بين البلدين سرعان ما تردت بشكل كبير، حيث انتهجت واشنطن سياسة معادية تماما لروسيا، كما أوضحت موسكو أن الولايات المتحدة قامت بأعمال مزعزعة للاستقرار في مجال الدفاع الصاروخي بما يتعارض مع ما تنص عليه المعاهدة، ما دفع لاتخاذ روسيا إجراءات تعويضية، وأدى كل ذلك إلى تعليق روسيا مشاركتها بالمعاهدة عام 2023 مع بقاء التزامها الطوعي بالكميات التي تنص عليها المعاهدة، بل إن موسكو في الواقع خفَّضت أسلحتها ومنصات إطلاق الصواريخ أكثر مما يُطلب منها وفق المعاهدة، ثم طرح الرئيس الروسي في سبتمبر عام 2025 مبادرة إيجابية تدعو لتمديد الالتزام ببنود الاتفاقية لعام آخر، لكن واشنطن أهملت هذه المبادرة.

ما هي الاحتمالات بعد انهيار المعاهدة
الواقع دخل العالم في حقبة انفلات نووي إن صح التعبير، حيث باتت الدول الكبرى حرة تماما في مخططاتها لزيادة ترسانتها النووية، ما سيؤدي بالضرورة إلى سباق تسلح جديد نتيجة ردة الفعل على زيادة أسلحة هذه الدولة الكبرى أو تلك، بل يمكن أن تتشجع حتى الدول النووية التي تمتلك أسلحة نووية قليلة لزيادة ترساناتها كالصين والهند وباكستان وفرنسا وبريطانيا، وكوريا الشمالية وإسرائيل، وهذا يعني انتهاء حقبة آمنة نوويا خلال نصف قرن عبر معاهدات متتالية للحد من السلاح النووي مع مراقبة النشاطات في هذا المجال، وخاصة للدولتين الكبريين نوويا في العالم والتين أصبحتا بدون قيود. فقد بدأت بعض الأصوات الأمريكية تعبر عن مخاوفها من إمكانية زيادة موسكو لأسلحتها النووية بشكل كبير، حتى أن روز جوتيمولر النائبة السابقة للأمين العام لحلف الناتو أعلنت أنه كان على الرئيس ترامب أن يستجيب لمبادرة الرئيس بوتن منوهة بأن روسيا ستكون قادرة بسهولة على زيادة قدراتها النووية بعد انتهاء صلاحية معاهدة ستارت الجديدة، ولفتت الأنظار إلى أن على الولايات المتحدة بعد ذلك التنافس ليس فقط مع روسيا بل ومع الصين كذلك في مجال الأسلحة النووية، حيث دعت بكين الولايات المتحدة إلى استئناف الحوار مع روسيا بشأن الاستقرار الاستراتيجي محذرة من النتائج السلبية لانتهاء معاهدة ستارت ثلاثة على مجمل منظومة مزع السلاح والاستقرار العالمي وأنها لن تشارك في مباحثات حول معاهدة ستارت منوهة بأن قوتها النووية حاليا ليست بمستوى القوة النووية لروسيا أو أمريكا.

مؤشرات هامة لتاريخ المعاهدات النووية
بدأت محاولات تكريس ضمانات الأمن العالمي من المخاطر النووية عام 1963 وتتالت بعدها المعاهدات والاتفاقيات سواء بتخفيض الأسلحة أو الحظر أو منع الانتشار أعوام 1968، و 1987 للأسلحة متوسطة المدى، والحظر الشامل عام 1996 يليها معاهدة موسكو لتخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية عام 2003 والتي تم تجديدها عام 2011 التي انتهت في الخامس من فبراير، ومع ذلك فإن المخاطر الهائلة المستقبلية إن دخل العملاقان في سباق تسلح جديد يمكن أن نستشعره من تذكر أن لدى الاتحاد السوفييتي عام 1986 كان يمتلك 45 ألف رأس نووي وتمتلك الولايات المتحدة ما يزيد عن 31 رأس نووي عام 1967 واستمر هذا الزخم عمليا حتى الثمانينات أي عموما أكثر من 70 الف رأس نووي، وهي كافية لتدمير الكرة الأرضية بكاملها مرات عديدة، ونزول هذه الأرقام إلى قرابة 1550 رأس لكل من روسيا وأمريكا يدل على الحجم الهائل في التخفيض، ومدى أهمية استمرار المعاهدة أو شبيه بها بين هذين العملاقين تحديدا، ذاك أن مجموع الدول التي تمتلك سلاحا نوويا هو تسع دول: روسيا، الولايات المتحدة، بريطانيا فرنسا الصين الهند باكستان كوريا الشمالية إسرائيل، مع التنويه بأن الهند وباكستان وكوريا الشمالية وإسرائيل لا تدخل في معاهدة حظر الانتشار، لكن الحرز الأكبر على أية حال هو لروسيا والولايات المتحدة، قرابة 90% من مجموع الرؤوس النووية في العالم، صحيح أن اتفاقيات ومعاهدات أخرى لاتزال سارية المفعول بل إن بعضها وقعت عليه جميع دول العالم تقريبا، كمعاهدة عدم الانتشار المبرمة عام 1968 والتي وقعت عليها 191 دولة، ولكنها لا تعني شيئا إن رغبت روسيا والولايات المتحدة بزيادة ترسانتيهما النوويتين، بل قد تنتقل العدوى حتى إلى الدول السبع النووية الباقية.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى