صحافة وآراء

العراق… حين تتحول الدولة إلى آلة تلتهم مواردها

عماد عبدالوهاب الصباغ

في اللحظة التي يتحدث فيها خبراء الاقتصاد عن “الفرص الضائعة” في العراق، تبدو الحقيقة أبسط وأكثر فجاجة: العراق ليس بلداً يعاني قلة الموارد، بل دولة تلتهم مواردها بوحشية تفوق قدرتها على الإنتاج. إنها معادلة لم تعد قابلة للاستمرار، مهما ارتفع سعر النفط، ومهما طُلي الواقع بخطابات الإنجاز والتفاؤل.

أولاً: انهيار معادلة الموارد والنفقات
كان العراق قبل عشر سنوات يستطيع -بشق الأنفس- تغطية رواتب موظفيه وتمويل مشاريع أساسية. أمّا اليوم فقد انفجرت نفقاته إلى مستويات لا يمكن حتى لأسعار النفط الفلكية أن تغطيها. وأبرز هذه النفقات ثلاثة ملفات قاتلة:
1- الرواتب الحكومية: ثمانية ملايين موظف في دولة بلا إنتاج. فلم يعد الجهاز الحكومي مؤسسة لخدمة المجتمع، بل تحوّل إلى مخيّم ضخم للبطالة المقنّعة. ثمانية ملايين موظف ورواتب ومخصصات وتقاعد تضخّها الدولة كل شهر بلا مقابل إنتاجي حقيقي. إنه أعلى عبء وظيفي في تاريخ العراق الحديث، بل ربما في المنطقة بأكملها.
2- اقتصاد السرقات والتهريب. على حدود العراق، وخصوصا” مع إيران، يجري يومياً اقتصادان متوازيان، اقتصاد رسمي تموّله الدولة. واقتصاد ميليشياوي يلتهم ما تبقى منها. فتهريب النفط، والدولار، والمواد الغذائية، والمستوردات… كلها تتحول إلى مسارات موازية تأخذ من الدولة ولا تعطيها. إنه نزيف مالي مستمر، لا تستطيع أي حكومة إيقافه لأنها ببساطة لا تملك القوة على منعه.
3- أموال الدولة كغنيمة سياسية. منح العقود، ورفع الأسعار، والتحويلات الخارجية، والموازنات الانفجارية التي تُدار بعقلية “الاستحواذ قبل سقوط الطائرة”. و كلما زادت موارد الدولة، ازداد الجشع، وازدادت طبقة المنتفعين، وازدادت شراهة الفصائل التي تحوّلت إلى شركات مالية محمية بالسلاح.

ثانياً: دولة بلا اقتصاد فعليّ
يعيش العراق اليوم على مورد واحد هو النفط. لكن ما يأتي من النفط يذهب في يومه، بلا تراكم، و بلا تنمية، و بلا استثمار. فلا زراعة، و لا صناعة، و قطاع خاص، و لا رؤية إنتاجية. و دولة بهذا الشكل لا تبني مستقبلاً، بل تشتري الوقت. و السؤال الذي يخيف الجميع: و ماذا يحدث حين ينفد الوقت؟

ثالثاً: مؤشرات الانهيار التي يرفض المسؤولون الاعتراف بها
هناك ثلاثة مؤشرات واضحة تلوح في الأفق العراقي:
1- عدم قدرة الدولة على دفع الرواتب في الوقت المناسب. و هذا ليس سيناريو خيالياً؛ بل احتمال واقعي إذا انخفضت أسعار النفط أو زادت الضغوط الخارجية.
2- انهيار الدينار. فمع اقتصاد يعتمد على الاستيراد، فإن أي اهتزاز في سعر الصرف سيقود إلى انفجار اجتماعي.
3- تآكل الخدمات بالكامل: الصحة، والكهرباء، والتعليم… كلها لم تعد تضمن الحد الأدنى من الأداء، وما يزال الوضع قابلاً لمزيد من التدهور.

رابعاً: لماذا لا يمكن إصلاح النظام؟
لأن الإصلاح يتطلب هدم مصادر قوة الميليشيات والطبقة السياسية، وهذه القوى تعتمد مباشرة على التهريب، والمنافذ الحدودية، والفساد، والتعيينات، والعقود، والسيطرة على الوزارات. وعليه، فأي إصلاح حقيقي هو انتحار سياسي لمن يحاول تطبيقه، لذلك لا أحد يقترب منه. وتبقى الدولة إذاً في حالة “إدارة أزمة” لا أكثر، حتى يصل الانهيار بنفسه دون قرار حكومي.

خامساً: القادم أسوأ… للأسف
ليس من التشاؤم القول إن القادم أسوأ؛ بل من الموضوعية. فالدولة التي تفقد السيطرة على مواردها، وتسمح بتضخم جهازها الوظيفي، وتتعايش مع اقتصاد الميليشيات، وتُسيّر سياستها عبر المزاج الإقليمي، هي دولة تتجه إلى الانفجار لا محالة. والانهيار المالي ليس حدثاً مفاجئاً؛ بل سلسلة قصيرة من القرارات الخاطئة التي تنتهي بلحظة إعلان “لم نعد نملك ما يكفي لتغطية النفقات.” وحين تصل الدولة إلى تلك اللحظة، لن يجدي الحديث عن الإصلاح. سيكون الأوان قد فات.

خاتمة: العراق بحاجة إلى وقف النزيف، لا إلى مزيد من الموارد. فالبلد لا ينقصه المال، بل ينقصه النظام. ولا يحتاج إلى زيادة الإنتاج، بل إلى إغلاق منافذ الهدر. فهو لا يحتاج إلى قروض أو اتفاقيات جديدة، بل يحتاج إلى دولة تعرف أين تذهب أموالها ولمن ولماذا. من دون ذلك، سيبقى العراق أكبر مثال على دولة غنية تسير بخطوات ثابتة نحو الفقر، وبأيدٍ عراقية قبل أي مؤامرة خارجية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى