
الإنزعاج الإسرائيلي اليوم تجاوز حدود القلق السياسي التقليدي ليرتقي إلى مستوى شعور وجودي ضاغط، أشبه بإحساس دولة تراقب تآكل أدوات نفوذها واحدة تلو الأخرى، من دون أن تملك القدرة على وقف المسار أو عكس إتجاهه. ترى إسرائيل إن ما يجري في الإقليم لم يعد سلسلة تحركات متفرقة أو مبادرات أمنية ظرفية، بل تحوّل إلى مسار إستراتيجي متكامل تقوده السعودية بثبات، ويعيد رسم خرائط القوة والنفوذ في محيط بالغ الحساسية. ومن زاوية تل أبيب، تتحرك الرياض اليوم على إمتداد مسرح جغرافي واسع: اليمن، البحر الأحمر، السواحل الإفريقية المقابلة، القرن الإفريقي، والصومال تحديداً. وهذه الحركة لا تُقرأ كجهد دفاعي أو رد فعل محدود، بل كعملية إقتلاع منهجية لشبكة الوكلاء والميليشيات التي بنتها إسرائيل على مدى سنوات طويلة وإستخدمتها كأدوات تطويق غير مباشر لمصر والسعودية، وكجدران صد متقدمة تحمي مشروعها التوسعي في المشرق والبحرين الأحمر والمتوسط. في العقل الأمني الإسرائيلي كانت تلك الفراغات الإقليمية من ليبيا، السودان، إثيوبيا، إريتريا، الصومال، إلى اليمن مساحات مثالية للعمل الهادئ، لنشر النفوذ وزرع الميليشيات، وبناء شبكات إستخباراتية مرنة، تعمل عند الحاجة وتختفي عند الضرورة. اليوم، ترى إسرائيل هذه الفراغات تُغلق تباعاً، لا بالشعارات ولا بالبيانات، بل عبر فعل منظم، مدعوم بقدرة سياسية، ونشاط إستخباراتي، وحضور إقليمي يتقدم خطوة خطوة من دون ضجيج. القلق الإسرائيلي لا ينبع فقط من فقدان نقاط نفوذ، بل من طبيعة التحرك ذاته: تحرك سعودي لا يبدو متردداً، ولا يبحث عن تسويات مؤقتة، ولا يرسل إشارات تراجع. في الحسابات الإسرائيلية، هذا هو الخطر الحقيقي. لأن ما يُكسر اليوم ليس ميليشيا هنا أو وكيل هناك، بل منظومة كاملة بُنيت على فكرة الإلتفاف والعمل في الظل، وإستنزاف الخصوم من الأطراف. ولأن إسرائيل تدرك حجم التهديد، فقد بدأ خطابها الداخلي يتغيّر بصورة لافتة، كاشفاً عن درجة غير مسبوقة من التوتر. لم يعد الحديث يدور عن خلافات مصالح أو تباين رؤى بل عن خصم إقليمي بات يُنظر إليه بوصفه عقبة إستراتيجية يجب التعامل معها بأي وسيلة. في هذا السياق خرج الخطاب الإسرائيلي عن كل الأعراف الدبلوماسية وإتخذ طابعاً فجاً مباشراً وعدائياً، يعكس حالة إنكشاف سياسي ونفسي. بلغ هذا الخطاب ذروته حين جرى توجيه الكلام بلا مواربة، نحو رأس الهرم السياسي في السعودية. في السردية الإسرائيلية المتداولة اليوم لم يعد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مجرد شريك إقليمي صعب، بل تحوّل إلى مشكلة يجب كسرها. الرسالة كما تُفهم في تل أبيب، واضحة: إذا كان الرجل هو من يقود هذا التحول، فهو الهدف. وإذا كان هذا المسار يهدد مشروعنا، فيجب إيقافه عند مصدره. هذا النوع من الخطاب الذي يلوّح بالإطاحة والفوضى والإغتيال السياسي لا يصدر عن موقع قوة، بل عن شعور عميق بالتهديد. هو خطاب من يرى إن الزمن لم يعد يعمل لصالحه، وأن تحالفاً إقليمياً آخذاً في التشكل في مقدمته السعودية ومصر يسحب من تحت قدميه القدرة على المناورة ويحوّل أدواته القديمة إلى عبء بدل أن تكون رصيداً. من منظور إسرائيل الأخطر من التحرك السعودي بحد ذاته، هو إقترانه بتطابق متزايد مع الموقف المصري. ففكرة إلتقاء القاهرة والرياض على رؤية واحدة وتحرك منسق تعني عملياً إنهيار معادلة التطويق التي عملت عليها إسرائيل طويلاً وهذا كابوس إستراتيجي لإسرائيل لأن إتحاد القوتين الأكبر عربياً وسياسياً وجغرافياً وديموغرافياً، ينسف أسس مشروع النفوذ الإسرائيلي خارج حدوده المباشرة. غير أن التحركات السعودية لم تتوقف عند حدود اليمن. فملف الجنوب اليمني، وفرار شخصيات محورية مثل عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الإنتقالي الجنوبي لم يكن حدثاً عشوائياً. الهروب جرى في ظل سيطرة جوية وبرية وبحرية خانقة وتحت مراقبة إستخباراتية دقيقة، حيث كانت الإتصالات مرصودة والمسارات مكشوفة، وكل شيء تحت السيطرة. الهروب، الذي إنتهى في الصومال عبر مطار بربرة، فجّر بدوره أزمة سيادية، بعدما إعتبرته مقديشو إنتهاكاً جسيماً لسيادة الدولة الفدرالية وفتحت تحقيقاً رسمياً في القضية. وهنا، يتحول الملف الصومالي من تفصيل هامشي إلى عقدة مركزية في المشهد الإقليمي. فالصومال بما تمثله من موقع إستراتيجي على البحر الأحمر وبوابة القرن الإفريقي، باتت ساحة صراع مفتوحة، وفرصة في الوقت نفسه لتحرك جماعي تقوده الدول العربية المعنية وعلى رأسها مصر والسعودية فالتواصل السعودي–المصري بلغ مستوى تنسيق كامل، حيث أبدى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إستعداداً تاماً للعمل المشترك، وهو ما عكسته البيانات الرسمية الصادرة عن الرئاسة المصرية، التي تحدثت صراحة عن تطابق كامل في المواقف. وهذا، تحديداً هو الكابوس الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية: إتحاد مصري–سعودي كامل، سياسي وأمني وإستراتيجي، لمواجهة مشروع تطويق إقليمي واسع. فإسرائيل تدرك أن كلاً من مصر والسعودية منفردتين، تواجهان تحديات جسيمة، لكن إتحادهما معاً يخلق كتلة إقليمية يصعب كسرها أو احتواؤها. ومع هذا التحالف، يضاف عامل آخر يزيد من تعقيد المشهد بالنسبة لإسرائيل، وهو موضوع التسلح والتعاون العسكري مع الصين. فقد باتت طائرات الصين الحديثة، والمعدات العسكرية التي يتم الحصول عليها بسرعة ومرونة عبر قنوات مباشرة، مصدراً جديداً للقلق الإسرائيلي. إذ ترى تل أبيب أن قدرة مصر والسعودية على شراء الأسلحة دون المرور بطوابير الإعتماد التقليدية، وبدون رقابة من أي جهة ثالثة، تجعل هذين البلدين قادرين على تعزيز قدراتهما الدفاعية والهجومية بسرعة فائقة، وهو ما يربك حسابات القوى التي إعتادت السيطرة على مسار التسلح في المنطقة. وبالرغم من إن إسرائيل تُدرك أن الصين لا تتحرك مباشرة بالجيش أو القوات القتالية لدعم مصر والسعودية، إلا أن مبيعات الأسلحة وتدفق التكنولوجيا العسكرية يمثل في نظرها ظهيراً دولياً يضيف ثقلاً إستراتيجياً للإتحاد العربي ويعزز من موقفه أمام أي محاولات لإعاقة تطوره العسكري أو السياسي. وهو ما يخلق حالة من الإحباط لدى أجهزة الإستخبارات الإسرائيلية التي تجد نفسها أمام تحرك إقليمي متكامل قادر على ضرب مجهودات سنوات طويلة لبناء نفوذها في الشام، وفرض مواءمة مصالحها مع وضع المنطقة بما يخدم أهدافها التوسعية. في مقابل هذا التحرك الصلب، تحذر هذه القراءة من الأسلوب الإسرائيلي القديم–الجديد: خطاب ناعم، مديح علني، وحب مصطنع، يقابله عمل تخريبي على الأرض. إنها سياسة قنابل الحب، حيث يجري التودد بالكلمات، بينما تُزرع الميليشيات، وتُغذّى النزاعات، ويُعمل على إشعال الخلافات الشعبية، خصوصاً بين المصريين والسعوديين عبر خطاب قومي إستعلاقي متبادل يُضخ على وسائل التواصل الإجتماعي. هذا الخطاب، الذي يقوم على التفاخر القومي والإستطالة اللفظية يتحول في لحظة الجد إلى أداة خطيرة لأنه يصنع كراهية شعبية متراكمة، تُستخدم لاحقاً كحاجز نفسي يمنع التحالف السياسي والعسكري حين تشتد الحاجة إليه. وهذا بالضبط، ما تحتاجه الكيانات الوظيفية في لحظة التطويق والإعتداء. لكن الرهان على تفكيك هذا التقارب يبدو محفوفاً بالمخاطر. لأن مصر والسعودية تواجهان في الوقت الراهن تهديدات جسيمة ومباشرة مصدرها شبكات خبيثة ووكلاء يعملون ضمن منظومة النفوذ الإسرائيلي في الإقليم. في مثل هذا السياق، لا تملك أي من الدولتين رفاهية خوض المواجهة منفردة. فكل دولة، مهما بلغت قوتها، تبقى محدودة القدرة إذا واجهت هذا النوع من التهديد المركّب وحدها، أما العمل المشترك فهو وحده الكفيل بتحمّل عبء المواجهة وتغيير ميزان القوة. الإتحاد بين الدولتين، شعبياً وسياسياً وإقتصادياً وعسكرياً ودبلوماسياً، يخلق وضعاً بالغ الخطورة على أي طرف يفكر في المقامرة ضدهما. ولهذا يصبح من مصلحة الطرف المتآمر أن يُبقي بينهما حواجز نفسية، قائمة على خطاب كراهية وإستعلاء قومي متبادل. وفي لحظة إقليمية دقيقة كهذه، يصبح التحرك الفردي بلا جدوى. المطلوب هو تحرك جماعي، مؤسسي، يضم مصر والسعودية وحتى الجزائر وسائر الدول المعنية، لوقف التدفق الإسرائيلي إلى الصومال، وفرض حظر جوي وبحري على الموانئ والمطارات التي تحولت إلى بوابات تسليح وتمويل للميليشيات المعادية. فالصومال دولة عربية عضوة وأي محاولة لتفكيكها تفتح الباب لتفكيك غيرها لاحقاً. هذا السيناريو،الذي تخشاه إسرائيل، هو ما تحذر منه صحافتها: قطع الأرجل التي إمتدت سنوات طويلة، وإحراق إستثمارات سياسية وأمنية بمليارات الدولارات خلال أيام قليلة. ولهذا تحديداً يشعر الخصم الإسرائيلي بالذل والمهانة لأن ما بُني بهدوء يجري تفكيكه بهدوء أكبر. الخلاصة التي تتشكل اليوم على الأرض أن مرحلة الإبتسامة والتآمر توشك على الإنتهاء. الأنظار تتجه إلى الوكيل الأكبر إلى غزة وجنوب لبنان وسورية والضفة الغربية، حيث يجري مشروع توسعي يحاول إشغال الدول العربية بدوائر وأهلَة “جمع هلال” جانبية. وما يجري في البحر الأحمر واليمن والقرن الإفريقي، ليس إلا جزءاً من هذه المعركة الواسعة.ولهذا، فإن التحركات الجارية اليوم ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية. إما كسر الطوق الآن أو دفع ثمنه لاحقاً مضاعفاً. وهذا تحديداً ما يجعل القلق الإسرائيلي عميقاً.. ومفهوماً! فلذلك كشفت تل أبيب عن نظام دفاعي جديد صُمّم خصيصاً لتعزيز أمن الحدود وفي مقدّمها الحدود مع مصر. الحديث لا يدور عن منظومة مراقبة تقليدية أو إجراء إحترازي محدود، بل عن تصور أمني متكامل تسعى المؤسسة العسكرية إلى إعتماده كإطار شامل لإدارة التهديدات على إمتداد الحدود البرية والبحرية، مع تقليص واضح لدور العنصر البشري لصالح أنظمة مستقلة عالية التسليح. هذا النظام الذي خضع لسلسلة إختبارات مكثفة جرى تطويره وفق متطلبات دقيقة للمؤسسة الأمنية، ليقدّم إستجابة سريعة وحاسمة لمروحة واسعة من التهديدات سواء كانت برية أو جوية أو بحرية، وفي مختلف الظروف من الأوضاع الروتينية إلى سيناريوهات الطوارئ القصوى. في جوهره يقوم التصور الجديد على نقل المواجهة من مرحلة ردّ الفعل المتأخر إلى مرحلة الإشتباك المبادر والسريع، بحيث تُحسم التهديدات قبل أن تقترب من العمق. ويعتمد النظام على وحدات مستقلة تعمل جوّاً وبرّاً، مزوّدة بأسلحة مباشرة تشمل رشاشات وقنابل، وقادرة على التحرك والتعامل مع الأهداف فور رصدها. هذا التحول النوعي يمنح القيادة الميدانية قدرة على تنفيذ الضربات من دون الحاجة إلى حشد قوات كبيرة، ويُحدث قفزة مقارنة بالقدرات التقليدية التي كانت تتطلب زمناً أطول وموارد بشرية أوسع. في خلفية هذا كله، تقوم المنظومة على شبكة معقدة من جمع المعلومات، تشمل أنظمة إستشعار متعددة ومنصات مختلفة، تُدمج جميعها في صورة إستخباراتية واحدة ومتكاملة. هذه الصورة لا تُستخدم للتحليل فقط، بل تُقترن مباشرة بأدوات قتالية جاهزة ومتمركزة على الحدود، يمكن تفعيلها بشكل مستقل وسريع، ما يقلّص الفاصل الزمني بين إكتشاف التهديد وإتخاذ القرار وتنفيذ الضربة. وقد جرى إختبار هذه القدرة عملياً، من مرحلة جمع البيانات وتحليلها مروراً بإدارة القرار وصولاً إلى تنفيذ الضربة وإغلاق الحلقة العملياتية بالكامل. ويتم ذلك عبر ربط محكم بين مختلف مكونات النظام، من الفضاء إلى الوحدات الأرضية المستقلة، ضمن منظومة قيادة وتحكم تعمل في الزمن الحقيقي. وتُدار القدرات الإستخباراتية والهجومية من خلال نظام مركزي لإدارة المهام، يعتمد على معالجة كميات ضخمة من البيانات وربط جميع الأنظمة بإستخدام تقنيات متقدمة للذكاء الإصطناعي، بما يتيح تنسيقاً عالياً بين الوسائط المختلفة حتى إتمام المهمة. ومن أبرز ما يميز هذا النظام أنه يسمح بالعمل في ساحة المعركة مع بقاء المشغّل البشري في موقع تحكم عن بعد، بعيداً عن دائرة الخطر المباشر. وشملت الإختبارات منصات جوية متعددة، من بينها طائرات مسيّرة مخصصة لجمع المعلومات وقادرة على العمل في مختلف الظروف الجوية، ومزودة برادارات متطورة، إضافة إلى طائرات قادرة على الإقلاع والهبوط العمودي، تجمع بين الإستطلاع والتسليح، ما يتيح إغلاق الحلقة العملياتية بسرعة عالية. كما برزت منصات جوية خفيفة صُممت خصيصاً لمهام حماية الحدود، إلى جانب منظومة واسعة من الأنظمة الكهروبصرية والرادارات والمركبات المستقلة. في المحصلة، يجسّد هذا المشروع إتجاهاً جديداً في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، يقوم على دمج القدرات القتالية للأنظمة الجوية والبرية المستقلة ضمن أسلوب قتال واحد، تعمل فيه أدوات مختلفة بتزامن كامل وتحت إدارة مركزية، وبعدد محدود من المشغّلين. وهو توجه يعكس إدراكاً عميقاً لتعقيدات الجغرافية والحدود، ولحساسية غياب العمق الإستراتيجي، وما يفرضه ذلك من سعي دائم لإبعاد المواجهة عن الداخل، وحسمها بأقصى سرعة ممكنة. وفي تطور ينذر بخطورة المرحلة، شهدت المنطقة البحرية لقطاع غزة حادثة تدخلت على إثرها البحرية الإسرائيلية، بعد دخول سفينة حربية مصرية إلى المنطقة البحرية للقطاع. الجيش الإسرائيلي يقول إن قواته تصرفت وفق الإجراءات المعمول بها، مؤكداً أن التدخل لم يتجاوز الحدود الإحترازية وإن الهدف الأساسي كان منع أي إختراق محتمل للمياه الإسرائيلية دون التسبب في تصعيد أو أضرار. وأطلقت البحرية الإسرائيلية أعيرة تحذيرية في الهواء بهدف إيقاف السفينة، وهو ما أدى إلى تغيير مسارها وعودتها إلى المياه المصرية دون تسجيل أي إصابات أو أضرار. ولفت الجيش الإسرائيلي إلى أن القارب لم يستجب في البداية للإنذارات، ما إستدعى إتخاذ إجراءات إضافية للإبعاد، مؤكداً في الوقت نفسه إن التعاون الأمني بين إسرائيل ومصر يظل مستمراً كالمعتاد، في إطار الشراكة الإستراتيجية القائمة بين البلدين منذ توقيع إتفاق السلام وبعدها خرجت السلطات المصرية لتعبّر عن أسفها للحادث مؤكدة تحمّلها المسؤولية.
ردود الفعل الإسرائيلية بجميعها تعكس حجم القلق من فقدان أدوات النفوذ القديمة والتعامل مع واقع إستراتيجي جديد!




