صحافة وآراء

‏ايران آخر إمبراطوريات العالم القديم: فهل تسقط؟!

المراقب الإيراني

كثيرون عندما يتحدثون عن مستقبل إيران ونظامها الإسلامي ويتنبّأون بسقوطها أو تفكّكها إلى دويلات متناحرة، شبيهة بما يجري على الضفة الغربية من الخليج، لا يدركون بعمق ما هي إيران وما هي الأمة الإيرانية. فإيران ليست دولة عادية، وهذا ليس وصفاً رومانسياً أو مبالغة تاريخية، بل قراءة تستند إلى وقائع الماضي والحاضر التي يدركها أي باحث محايد: إيران دولة إمبراطورية، وربما آخر ما تبقّى من عصر كانت فيه إمبراطوريات العالم القديم تحكم البشرية.

كلمة “إمبراطورية” تُستخدم اليوم كثيراً لوصف الاستحواذ والهيمنة الأميركية، لكنها بمرجعها الأصلي آتية من كلمة إمبيريم اللاتينية، التي تعني السلطان الأعلى أو المطلق. وفي تعريفها التاريخي هي دولة ذات حكم مركزي قائم على فكر أيديولوجي غير قومي، تُمارس سلطة عابرة للعرق وللحدود التقليدية لفكرة الأمة الحديثة. في الأزمنة القديمة قام مفهوم الدولة على هذا المبدأ: مركز يحكم أطرافاً متعددة الأعراق، والولاء تحكمه الأيديولوجيا لا الانتماء الدموي. لكن مع صعود الفكر القومي الأوروبي تغيّر المفهوم بالكامل، فأصبحت الدول تتشكّل على أساس عرقي وقومي. لم ينجُ أحد من هذا التحوّل: الصين، الولايات المتحدة، الهند، روسيا… جميعها صارت أمماً قومية. إلا دولة واحدة: إيران.

بدلاً من التوجّه نحو القومية، سارت إيران في الاتجاه المعاكس ورسّخت هويتها الإمبراطورية. بدأ ذلك في عهد الشاه البهلوي الأول حين غيّر اسم الدولة من “فارس” إلى “إيران” ليشمل الشعوب الآرية بهوية عابرة للعرق الفارسي. ثم جاءت الثورة الإسلامية لتكمل التحول: ألغت الانتماء القومي لصالح انتماء إسلامي يتجاوز العرق واللغة، لتصبح إيران الدولة الوحيدة اليوم التي تحكم وفق نمط إمبراطوري عابر للقوميات، كما كان عبر التاريخ.

المعضلة أن إيران تتكوّن من أعراق عدة، والفرس بالكاد يشكلون نصف السكان. من دون عنصر جامع عابر للعرق ستظهر الدولة وكأنها احتلال لأمم غير فارسية. هنا يلعب الإسلام دور الرابط الضروري؛ بدونه ستتفكّك إيران خلال ربع ساعة إلى دويلات. لذلك يصبح التمسّك بالهوية الإسلامية مسألة أمن قومي وجودية في عصر باتت فيه القومية هي محدد الهوية للدول الحديثة.

تاريخياً، كانت الهضبة الإيرانية مركز قوة وثراء، إذ تقع في قلب العالم القديم ووسط طرق التجارة. لكن تحوّل التجارة العالمية نحو الغرب أفقرها وأضعفها وفتح الباب للهيمنة الغربية. اليوم، ومع تفكك النظام العالمي، تعود إيران إلى موقعها الطبيعي كعقدة جغرافية لا يمكن تجاوزها، ومع اقتراب عصر الاعتماد على الذات، ستنجح الدول التي بنت اقتصاداً منتجاً، وستفشل الدول الريعية.

وهنا تكمن خصوصية إيران: هي الدولة النفطية الوحيدة تقريباً التي لم تعتمد على النفط كركيزة وجودية. فإسهام النفط في اقتصادها يقلّ عن 15%، مقابل أكثر من 70% في السعودية والعراق والكويت وقطر. هذه الفجوة وحدها تشرح مستقبل المنطقة. العقوبات التي كان يُفترض بها خنق إيران صنعت لها أكبر قاعدة صناعية في الشرق الأوسط: أكثر من 13 ألف مصنع كبير، اكتفاء ذاتي يتجاوز 80% في السلع الأساسية، وزراعة تغطي نحو 70% من حاجات البلاد.

أما الصناعات العسكرية فأصبحت من الأكثر تطوراً خارج منظومات الناتو وروسيا والصين: طائرات مسيّرة باتت معياراً عالمياً في الحروب الحديثة، وصواريخ باليستية تغطي كامل الأفق الشرق أوسطي. وهذا يعني أن إيران لن تتضرر من عصر ما بعد النفط؛ فهي تعيش فعلياً في هذا العصر منذ أربعة عقود. بينما ستواجه الدول النفطية انهيارات مع تراجع الطلب العالمي بعد 2030، ستكون إيران هي الدولة الوحيدة تقريباً التي بُني اقتصادها على التصنيع والاعتماد على الداخل.

هكذا، إيران ليست مشروعاً يقاتل للبقاء، بل مشروعاً يبحث عن الدور. والعالم الذي يتفكك اليوم يعيد الإمبراطوريات إلى مركز المسرح، وليس الدول الصغيرة. في عالم ما بعد النفط وما بعد العولمة، ستكون إيران في موقع الصعود لا موقع السقوط.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى