
في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، ومع تصاعد الحديث عن ضربة أميركية–إسرائيلية مرتقبة ضد إيران، برز شعار لافت داخل الساحة العراقية حمل دلالات تتجاوز الإطار المحلي. فقد إعتمد مقتدى الصدر شعار “2026 عام التغيير” على الكتب الرسمية لسرايا السلام (جيش المهدي سابقاً)، وهو الشعار ذاته الذي أعلنه مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العراق، مارك سافايا، في فيديو نُشر مطلع هذا العام. هذا التزامن لم يُقرأ بوصفه مصادفة عابرة، بل إشارة سياسية عميقة إلى التقاطع في الخطاب والوظيفة والتوقيت. وفي هذا السياق، فجّر خبير الإستطلاعات الأميركي والضابط الإستخباري الرفيع المستوى كما يوصف، ديفيد بلوك ما وصفه مراقبون بـ “قنبلة خبرية” خلال مقابلة مع قناة CNN الأميركية، عندما ربط بشكل مباشر بين ما يجري في إيران وتأثيراته على العراق، وبين التحركات الأخيرة لمقتدى الصدر. ووفقاً لبلوك، فإن ما يقوم به الصدر اليوم من إستنفار وتفعيل لسراياه القتالية وميليشياته لا يندرج في إطار تحركات داخلية مستقلة، بل يمثل أداءاً لدور مرسوم له من الجانب الأميركي، كجزء من التحضيرات للهجوم الأميركي–الإسرائيلي المقبل على إيران. إن الدور المنوط بالصدر يتمثل في العمل كـمصدّ وصادّ للفصائل والميليشيات التي تأتمر بأوامر إيرانية داخل العراق، عبر تعبئة قواته وإفتعال إشتباكات جانبية وتحركات داخلية تؤدي إلى إشغال هذه الفصائل وإستنزافها ومنعها من التحرك أو العبور بإتجاه إيران في حال إحتاج النظام الإيراني إلى دعمها. وبذلك، تتحول الساحة العراقية إلى ساحة ضبط داخلي تهدف إلى شلّ أي إسناد محتمل لطهران من خاصرتها الغربية المهمة والحساسة. وقد إنتقل مقتدى الصدر فعلياً منذ سنوات من موقع التبعية السياسية لإيران إلى خدمة المخطط الأمريكي، بعد أن نجحت الإستخبارات الأميركية والموساد وبحسب مصادر عدة، في إختراقه وتحييده ثم تجنيده، إلى جانب عدد من المقربين منه. وقد أُنجزت هذه العملية عبر ما سُمي إستخباراتياً بـ “الجراحة الذكية”، بإستخدام قنوات قطرية وسعودية وبريطانية، مُستفيدة من العلاقات التاريخية التي يحتفظ بها آل الصدر مع بريطانيا. وتُوّج هذا المسار، بتكريس أدوار دبلوماسية وسياسية لعائلة الصدر، أبرزها جعل جعفر الصدر سفيراً للعراق في لندن بوصفه عرّاب التواصل هناك، قبل نقله إلى الدوحة ليبقى على تماس مباشر مع مركز الفعل السياسي والعسكري والإستخباراتي الأميركي في قاعدة العديد بالسيلية. لاحقاً، إنتقلت المهمة في بريطانيا إلى مؤمل الصدر، إبن شقيق مقتدى، بصفته قنصلاً عاماً، وفي النصف الثاني من شهر أكتوبر تشرين الأول من العام الماضي 2025 تم إفتتاح ما يُعرف “بمُضيف آل الصدر” في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وكلَف حينها مقتدى الصدر فريقاً خاصاً به لإتمام وترتيب الأمور في البلدين معاً. وبهذا، تم تثبيت شبكة تواصل دائمة مع مراكز القرار الأميركي والبريطاني، عبر أدوات إقليمية لعبت فيها قطر وكذلك السعودية دوراً محورياً. في المقابل، حصل الصدر على ضمانات واضحة تتعلق بحياته ومستقبله ومصالحه الإقتصادية والسياسية داخل العراق، شملت حمايته من الإغتيال أو الإستهداف المباشر كما حصل مع أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، وعدم إعتقاله أو ملاحقته قضائياً، داخلياً أو دولياً كما حصل مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وعدم فرض أي عقوبات أمريكية عليه، رغم ثبوت مسؤوليته –وفق إتهامات قائمة– عن مقتل رجل الدين السيد مجيد الخوئي (البريطاني الجنسية)، وإعتراف عناصر من ميليشياته بقتل عدد من الجنود الأمريكيين في العراق. وفي مقابل ذلك، حافظ الصدر على عداء لفظي وشكلي متفق عليه للولايات المتحدة الأمريكية، دون المساس بمصالحها أو الإعتراض الفعلي على سياساتها في العراق. وبحسب هذا، إلتزم الصدر بالمسار السياسي المرسوم له داخلياً وخارجياً، بما يخدم الأهداف الأمريكية، إلى حد إنه لم يعد يشكل عائقاً أمام مشاريع واشنطن في العراق والمنطقة، بل أصبح منفذاً لرغباتها وأدواتها. ويستشهد أصحاب الشأن مواقفه خلال السنوات الأخيرة من قضايا غزة واليمن وحزب الله وإيران وسورية، وموقفه من الرئيس السوري احمد الشرع، إضافة إلى تمرير الإتفاقيات الأميركية مع العراق وعدم عرقلة سياسات الدولة التي تصب في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية.
ضمن هذا الإطار، يُعاد قراءة شعار”2026 عام التغيير” لا بوصفه برنامجاً إصلاحياً وطنياً، بل عنوان لمرحلة إعادة ترتيب وظيفي داخل العراق، تتقاطع فيها التحركات الداخلية مع الإستعدادات الإقليمية لحرب “وضع النقاط على الحروف”. وهنا، يصبح “التغيير” المقصود ليس تغيير بنية الدولة لمصلحة العراقيين، بل تغيير موازين القوة الداخلية بما يخدم معركة إقليمية أوسع، يكون العراق فيها ساحة ضبط لا ساحة قرار.
وهنا وما يخص الجانب الإسرائيلي تحديداً فقد عمل مقتدى الصدر في منتصف العام 2022 ومن خلال كتلته البرلمانية في مجلس النواب العراقي على إستصدار قانون “تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني” والذي نُشر في جريدة الوقائع العراقية في العشرين من شهر حزيران العام 2022 ومن خلال عنوان القانون يظن أي قارئ مهما بلغت درجة إدراكه الى أن القانون حازم وشديد وهو ما يطمح له الشعب العراقي بمختلف شرائحه إلَا إن الخطير في القانون وبحسب ضباط مخابرات عراقيين سابقيين هو أنه “يسمح بتبادل الزيارات الدينية بين العراق وإسرائيل”! وهو ما جاء في المادة 4 – ثانياً من القرار تحت بند الجرائم والعقوبات، ويذكر أن أعضاء الكتلة الصدرية في البرلمان العراقي والبالغ عددهم حينها 72 نائب، حظروا فقط جلسة إقرار هذا القانون وأقروه وبعدها إنسحبوا!




