
في العاشر من الشهر الجاري كتبنا “لماذا تخسر قسد” مشيرين إلى أن استهداف قسد أهدافاً مدنية في العاصمة الإقتصادية لسوريا؛ بينها مشفى ومبنى محافظة حلب؛ يذهب بالحركة بعيداً نحو تخريب المفاوضات المزمعة مع دمشق للتوصل إلى إتفاق يضمن انخراطها في مؤسسات الدولة السورية وقد نزف عشرات ألوف السوريين أنهاراً من الدماء والضحايا والخراب حتى إسقاط نظام الفساد والاستبداد؛ وكان يعتبر آلاف كورد سوريا دخلاء أو “بدون” لا يحق لهم الحصول على الجنسية.
اليوم تخسر قسد مواقعها على وقع احتفالات أبناء سوريا عرباً وكورداً بصدور مرسوم رئاسي يمنح أكراد سوريا الأصلاء كامل الحقوق ويقطع الطريق على محاولات استخدام الملف الكردي اسفينا بشق وحدة الشعب السوري بكل مكوناته.
نعيد التذكير بأن حركات التحرر الوطني الكردية غالبا ما تنخدع بالوعود وبالحماية المزيفة لقوى خارجية سرعان ما تقلب لها ظهر المجن بعد ان تستخدم المطالب المشروعة للأمة الكردية منصة لتحقيق أهداف مرحلية سياسية واقتصادية مع الأنظمة حيثما يعيش الشتات الكردي.
لم يتعظ الكورد من ماسي الحركة الكردية في العراق بزعامة الزعيم التاريخي الملا مصطفى بارزاني حين انهارت الثورة في غضون أيام بعد اتفاق عام 1975 بين شاه إيران و صدام حسين وقّد أتيحت لكاتب السطور مشاهدة المعدات والأسلحة وأجهزة البث والإرسال الإيرانية و الإسرائيلية في مقر الملا وسط جبال گلالة الحصينة؛ وخروج مقاتلي “بيشمركة” الأشداء؛ قوي الشكيمة نحو إيران عبر الجبال التي يتغنى بها الكورد كصديق وحليف وحيد لآمالهم المشروعة.
لم تكن هزيمة العام 1975 أقل مرارة من سقوط جمهورية جمهورية مهاباد؛ الدولة الكردية التي تأسست في مدينة مهاباد بإيران عام 1946 بقيادة قاضي محمد بدعم من الاتحاد السوفيتي، وكانت أول جمهورية كردية رسمية ، لكنها انهارت بعد حوالي 11 شهرًا بسبب انسحاب القوات السوفيتية وعودة سيطرة الحكومة الإيرانية، التي أعدمت قاضي محمد ولجوء آلاف المقاتلين والقيادات الكردية وفي المقدمة الملا مصطفى بارزاني إلى الأراضي السوفيتية ومكوثه فيها لأكثر من عشر سنوات إلى أن سقط النظام الملكي في العراق والاستقبال الحافل للعائدين الكورد عبر البحر من الاتحاد السوفيتي بقرار الزعيم عبد الكربم قاسم؛ رافعا شعار “كورد وعرب فد حزام” وتغنى العراقيون مع الشاعر الشيوعي زاهد محمد والمطرب أحمد الخليل نشيد “هربجي كورد وعرب رمز النضال” إلى أن تفرق العشاق ولم تمض غير عامين على النظام الجمهوري لتندلع حرب أطلق عليها “حركات الشمال” قتلت آلاف الجنود المكلفين والضباط من مختلف مدن العراق وشاعت هوسة “أمّ كلمت بابنها” فلك طرك برزاني بيّس باهل العمارة المدينة الغافية على ثلاثة أنهار وسط غابات النخيل وكانت تزرع أجود نوع رز في العالم”العنبر”.
لم يصمم راسمو خريطة الشرق الأوسط على أنقاض الإمبراطورية العثمانية علما للأكراد ولا وطن قومي للملايين الموزعين على عدة دول. ومع كل التداعيات اللاحقة لاتفاقيات سايكس بيكو ومؤتمر لوزان؛ بقيت القضية الكردية لغماً ينفجر دوريا مع كل المآسي والكوارث الإنسانية المرافقة.
اليوم يسعى الرئيس مسعود بارزاني نجل القائد التاريخي الملا مصطفى للتوسط بين قسد والرئيس السوري أحمد الشرع برعاية أميركية وتوجيه مباشر من الرئيس ترامب الذي لم يتردد قبل إنهيار قسد بأيام وهزيمة قواتها في المناطق الغنية التي سيطرت عليها زهاء عقد ونصف من الزمن؛ عن وصفهم بأنهم “مرتزقة” كنا نستخدمهم لمحاربة تنظيم داعش مقابل أجور وقد انتهت الحاجة لهم. تماماً مثلما توقعنا؛ يتخلى اللاعبون الخارجيون عن الكورد حين تتحقق مصالحهم الخاصة وليس فيها ما يمت بصلة لطموحات الكورد القومية.




