
يبدو أن العام الجديد 2026 لن يكون عاماً عادياً على الإطلاق بل عاماً ساخناً ومشحوناً بالتصعيد العسكري والسياسي في أكثر من ساحة حول العالم. نحن نقف على أعتاب مرحلة تتراكم فيها الأزمات بدل أن تُغلق، وعلى رأسها الحرب الروسية‑الأوكرانية التي لا تلوح في الأفق أي مؤشرات حقيقية على نهايتها، بل على العكس تتزايد حدتها وستدخل العام 2026 وهي أكثر شراسة وإتساعاً. وفي الشرق الأقصى يستعد الجانب الصيني لمرحلة بالغة الخطورة. ما نراه اليوم ليس مجرد مناورات عسكرية أو إستعراضات قوة عابرة، بل تجهيز فعلي لغزو تايوان. الصين لا تُخفي نواياها بل تمضي بخطوات مدروسة سفن مدنية تتحول إلى منصات عسكرية، خلايا إطلاق صواريخ تُثبت على هياكل غير قتالية، رادارات متقدمة، ومشاريع جديدة أشبه بالخيال العلمي، مثل مركبات تلتحم ببعضها لتشكّل مدارج كهرومغناطيسية لإطلاق الدرونات، يمكن نصبها في أي مكان، حتى فوق سفن مدنية. كل ذلك يُشير بوضوح إلى أن العام 2027 هو العام الحاسم الذي تخطط له بكين لبدء الإجراءات العسكرية المباشرة ضد تايوان، وسط قلق متزايد في البنتاغون والمؤسسة العسكرية الأمريكية. وهذا التصعيد العالمي يأتي في وقت تنشغل فيه الولايات المتحدة الأمريكية بشكل متزايد في نصف الكرة الغربي، ما يترك فراغاً إستراتيجياً في الشرق الأوسط، فراغاً تُدار شؤونه عبر محورين أساسيين: محور إسرائيلي ومحور إماراتي. كلا المحورين لا يعملان فقط كقوى إقليمية، بل كيانات عسكرية‑مالية ذات وظيفة إستعمارية واضحة. وإسرائيل لديها مهمة محددة في المنطقة، مشروع تسعى إلى إنجازه، والإمارات تؤدي دوراً وظيفياً داعماً لهذا المشروع. في غزة لا تسعى إسرائيل فقط لإدارة حرب، بل للإنتقال إلى مرحلة جديدة تُبقي سكان القطاع على حافة الحياة: لا يموتون ولا يعيشون، ظروف قاسية، حصار دائم، ضغط مستمر، بهدف خلق بيئة طاردة تمهّد إستراتيجياً لمشروع التهجير، وهو مشروع ليس وليد اللحظة بل جزء من العقيدة الإسرائيلية بعيدة المدى. ولا يتوقف الأمر عند غزة، فالضفة الغربية تشهد تصعيداً متزايداً في الهدم والإستيطان والتضييق، وفي لبنان حصل نتنياهو على ضوء أخضر جديد من الرئيس ترامب لتكثيف العمليات العسكرية ضد حزب الله، خصوصاً في الجنوب بالتوازي مع إحتمالات مواجهة مباشرة وغير مباشرة مع إيران ستقع هذا العام، على خلفية البرنامج الصاروخي والباليستي الإيراني المتنامي. ولكي يتحقق هذا المشروع الإسرائيلي الواسع، تدخل الإمارات بشكل فاعل مالي‑وظيفي، يعمل على إنهاك الدول الكبرى في الإقليم عبر محيطها الجغرافي. تُدار اللعبة عبر الميليشيات: في اليمن، أخرى في الصومال، في السودان، مع فتح قنوات مع إثيوبيا لتغيير الواقع الجغرافي والإستراتيجي في باب المندب، والسيطرة على منافذ بحرية مثل ميناء عصب. كل هذه التحركات ليست معزولة بل تهدف إلى إشغال دول كبرى مثل مصر والسعودية، اللتين تمثلان عقبة حقيقية أمام مشروع إسرائيل الكبرى. الدور الإماراتي هنا هو الإلتفاف من الجنوب عبر الهلال اليمني‑الإفريقي، لإتاحة المجال أمام إسرائيل لتحقيق أهدافها الإستراتيجية. لكن العام 2026 وفق هذا المسار، سيكون عام إشتباك مباشر مع الإمارات نفسها. فالإمارات بالغت في تقدير قدرتها على المناورة، وكانت تحركاتها سريعة، غاشمة، بلا حسابات دقيقة. حصل مع السعودية في اليمن ضُربت شحنات عسكرية إماراتية كانت متجهة إلى المكلّا، وكان من المفترض أن تنسحب الإمارات من اليمن، لكنها لم تفعل كما أعلنت رسمياً، بل ناورت ثم غيّرت أسلوب اللعب. وبدأ الالتفاف عبر الجزر: سقطرى، ميون، حنيش، عبد الكوري نموذج شبيه بما فعلته الصين في بحر الصين الجنوبي، تحويل الجزر إلى منصات عسكرية، إرسال أسلحة إلى الموانئ، تشغيل مدارج طيران، ثم إعادة توزيع السلاح داخل اليمن تحت غطاء شأن يمني داخلي. لكن هذه اللعبة، كما يُطرح، لعبة خاطئة، خصوصاً مع شخصية مثل ولي العهد محمد بن سلمان. محمد بن زايد، رغم ذكائه، أساء فهم طبيعة محمد بن سلمان، وأسـاء فهم جيل الثمانينات ككل. هذا الجيل لا يُدار بالإحتواء الهادئ أو اللعب على الوقت. هو جيل رأى كل شيء، تعلّم بسرعة، ويتحرك بسرعة، وإذا ضُرب، يرد بضربات مضاعفة. إرسال أسلحة إلى سقطرى في ظل وجود قوات سعودية هناك، ومحاولة تحييدها، وترك مخازن سلاح خلف الإنسحاب، كل ذلك لن يمر بلا رد. الرد سيكون مباشراً: ضرب في سقطرى، في ميون، في المخا، في الريان، تعطيل مدارج الطيران، حصار بحري، وضربات دقيقة تجعل أي وجود عسكري غير قابل للإستمرار. والتصعيد الإماراتي هذا العام سيكون بالغ الخطورة ليس فقط مع السعودية، بل أيضاً مع مصر! سنشهد إشتباكاً مباشراً لمنع المشروع الإماراتي الذي يُغلف التمدد الإسرائيلي ويمنحه مساحة الحركة في غزة ولبنان وسورية. الإمارات ستجرّ الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لتأمين غطاء سياسي وإستخباراتي، دعم للإنفصال في جنوب اليمن، دعم للميليشيات، منع أي نجاح سعودي في الساحة اليمنية، وتكرار النموذج في الصومال وإثيوبيا وإريتريا والسودان. وهنا يصبح التعاون المصري‑السعودي ضرورة وجودية، لا خياراً. ضربات مزدوجة، تنسيق بحري وجوي، تقويض كامل لشبكات الإمداد، منع أي تمويل أو تسليح للميليشيات، في اليمن بالنسبة للسعودية، وفي السودان وليبيا بالنسبة لمصر. مراقبة مطار الكفرة، ضرب أي شحنة تعبر الحدود، دون فتح مواجهة مباشرة غير ضرورية مع حفتر، بل إحتواؤه حتى يفقد جدوى دوره الوظيفي. العام 2026 يجب أن يكون عاماً بلا أي دعم عسكري أو لوجستي إماراتي خارج ليبيا بإتجاه السودان أو تشاد. منع إستخدام الأجواء المصرية تكثيف الرصد والإستهداف، حتى تتراجع الإمارات أو تُجبر على التراجع. وإلا فإن السيناريو البديل هو خدمة مباشرة للمشروع الإسرائيلي: تهجير غزة، تفريغ الضفة، السيطرة على جنوب لبنان وجنوب سورية وصولاً الى دمشق العاصمة. في وقت تستعد فيه إسرائيل لضرب إيران، لا يجوز السماح لها بالتوسع الميداني دون كلفة. والمعادلة واضحة التهديد المشترك يُواجَه بتحالف مشترك. مصر، السعودية، الجزائر إذا ما قررت إستعادت تاريخها الوطني والنضالي، مع فتح قنوات ذكية مع الصين لتوفير بدائل إستراتيجية، والحسم يجب أن يكون سريعاً مركزاً، يستهدف اللوجستيات والتمويل، لا الغرق في مستنقع إستنزاف طويل. هذا ليس وقت الصراعات الجانبية، بل وقت إغلاق الجبهات المصطنعة، قبل أن يتحول الشرق الأوسط كله إلى ساحة فوضى تخدم مشروعاً واحداً فقط. وإيران في خلفية كل سيناريو. لا أحد يريد حرباً شاملة الآن، لكن الجميع يستعد لها بصمت الخطورة ليست في الضربات، بل في سوء التقدير. فإيران لا تتصدر العناوين لكنها حاضرة في كل الحسابات. تعتمد صبراً إستراتيجياً، وتتفادى المواجهة المباشرة وتعتمد على مبدأ التهديد والتحذير، وتوسع نفوذها عبر الوكلاء والفراغات الإقليمية. برنامجها النووي ورقة ضغط سياسية بقدر ما هو ملف تقني. العقوبات لم تُسقط النظام، بل دفعته إلى التكيف وبناء إقتصاد ظل. في العام 2026، لا إتفاقاً شاملاً قريباً ولا مواجهة مفتوحة مضمونة. الردع قائم، لكن الثقة معدومة، وأي تصعيد مفاجئ قد ينفلت. التوتر بين الهند وباكستان مزمن والردع النووي قائم لكنه هش نفسياً. أي خطأ حسابي قد يكون كارثياً، والعالم يراقب بقلق. والقوة لم تعد في السلاح فقط، بل في البيانات والخوارزميات. الذكاء الإصطناعي يعيد تشكيل الإقتصاد، والأمن، والإعلام، والرأي العام. التشريعات متأخرة، والتنظيم أبطأ من التطور، والفجوة بين الدول تتسع. ومن يملك التقنية يتقدم، ومن يتأخر يُهمّش.
العالم لم يعد أحادي القيادة ولا متعدد الأقطاب بوضوح. إنه عالم بلا مركز ثابت، تتوزع فيه القوة ويتشتت القرار. المنظمات الدولية تفقد تأثيرها، والشرعية وحدها لم تعد كافية. الأزمات المناخية تضغط بصمت مقصود، والهجرة والموارد تتحول إلى ملفات أمن قومي. العام 2026 سيختبر قدرة العالم على التكيف لا على السيطرة. العالم لا ينهار فجأة، بل يتآكل بهدوء. والسؤال لم يعد هل ستقع الفوضى؟ بل من يملك القدرة على إدارتها؟




