صحافة وآراء

دس السم في إيران، ولسع بسمّه فنزويلا، الثعبان الأصفر!

مارلين موسى

في لحظة واحدة، يسقط القناع الأميركي كاملاً، بلا حاجة إلى وثائق سرّية أو تسريبات أو اعترافات متأخرة. ترامب ينادي علناً بحماية المتظاهرين ضد النظام الإيراني، باعتبار أن التظاهر “حق ديمقراطي مقدّس”، وبعدها بزمن سياسي قصير، نراه أو نرى الدولة التي يمثلها، يمدّ يده إلى فنزويلا، لا لحماية المتظاهرين، بل لإعتقال رئيس منتخب وزوجته، وتفكيك دولة ذات سيادة. هنا لا يعود السؤال: هل تناقضت المواقف؟ بل: متى كانت الولايات المتحدة الأمريكية مع الديمقراطية أساساً؟

الجواب صادم وبسيط: أميركا ليست ضد أنظمة، بل ضد السيادة، ليست ضد القمع، بل ضد الإستقلال. ليست مع الشعوب، بل مع من يفتح خزائن النفط، والممرات والأسواق ويغلق فمه عندما يُطلب منه ذلك. الديمقراطية في القاموس الأميركي ليست قيمة، بل أداة ضغط. تُرفع حين تخدم، وتُدهس حين تعيق، حين يتحدث الرئيس ترامب عن “حق الإيرانيين في التظاهر”، لا يفعل ذلك بدافع إنساني أو احتراماً لإرادة الشعوب، بل لأنه يرى في أي اهتزاز داخلي فرصة لإضعاف دولة ترفض أن تكون تابعاً. لا أحد في واشنطن قلق على كرامة الإيراني أو حريته، والدليل أن الولايات المتحدة الأمريكية دعمت، ولا تزال، أنظمة أكثر قمعاً، وأكثر دموية، فقط لأنها تدور في فلكها. المسألة ليست حقوقاً، بل من يملك القرار.

وفي المقابل، فنزويلا اليوم تقدّم المثال الفاضح بكبش رئيسها، فتدخل أميركا وتسلب سيادة دولة تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، قررت – بخياراتها الداخلية، مهما كانت محل نقاش أن تُبقي قرارها الإقتصادي خارج الوصاية الأميركية. هنا، فجأة، تختفي الديمقراطية من الخطاب الأميركي، ويظهر قاموس آخر: “ديكتاتور”، “غير شرعي”، “خطر على الاستقرار”، والخ.. وعندما لا تنجح العقوبات في إخضاع الدولة، يُفتح الباب أمام الانقلابات، ثم الاعتقالات، ثم التدخل المباشر. لا صندوق اقتراع هنا، ولا احترام لإرادة شعب، ولا حديث عن حقوق، هذا ليس تناقضاً في السياسة الأميركية، بل انسجام كامل مع عقيدتها الإمبريالية. أميركا لا ترى العالم كشبكة دول ذات سيادة متساوية، بل كساحة نفوذ. من يلتزم بالقواعد يُكافأ، ومن يحاول الخروج عنها يُعاقَب. الديمقراطية تُمنح كامتياز، لا كحق. والسيادة تُعتبر جريمة إن لم تمر عبر واشنطن.

الأخطر أن هذا السلوك لا يقتصر على ترامب كشخص. ترامب هو التعبير الفجّ، الصريح، غير المتأنق، عن عقل أميركي عميق. الإدارات تتغير، لكن القاعدة ثابتة: ممنوع قيام دولة مستقلة تمتلك مواردها وقرارها. من إيران إلى فنزويلا، من العراق إلى ليبيا، من تشيلي الأمس إلى غزة اليوم، السيناريو واحد: شيطنة، حصار، إنهاك، ثم ضرب الاستقرار باسم إنقاذه، وهنا تتجلّى المفارقة الأخلاقية الكبرى: أميركا تدّعي حماية الحرية، لكنها أول من يرجم السيادة. تدّعي الدفاع عن الشعوب، لكنها أول من يخنقها بالعقوبات. تتحدث عن الاستقرار، لكنها لا تعيش إلا على الفوضى المُدارة. لا تزدهر الإمبريالية إلا حين تنهار الدول من حولها، وحين تتحول المجتمعات إلى أسواق يائسة، تبحث عن الخبز لا عن القرار.

والنفط… النفط هو بيت القصيد، كلما اقتربنا من الحقيقة، وجدنا الطاقة في القلب منها. فنزويلا ليست مشكلة سياسية، بل مشكلة نفط خارج السيطرة. إيران ليست أزمة نووية، بل أزمة موارد وموقع واستقلال قرار. كل دولة تحاول أن تقول: هذا النفط لنا، هذه الثروة لشعبنا، هذه السياسة نرسمها بأنفسنا، تتحول فوراً إلى “تهديد عالمي” في لوائح أميركا، ويتم التجنيد عندها فوراً، إعلام يُصفّق، مثقفون يبررون، وخطاب يُقنع الناس أن اعتقال رئيس دولة “خطوة ديمقراطية”، وأن حصار شعب “عقاب ضروري”، ولنزيدكم من الشعر بيتاً فاليوم يستخدم أسلوب الذكاء الإصطناعي في تحوير الرؤية . هنا، تُستخدم اللغة لتبرير الإغتصاب السياسي، ويُعاد تعريف الحرية بما يناسب الأقوى.

شاهدوا جيدا كيف حاولت أميركا خطف نيكولاس مادورو، كيف وضعت رئيس دولة ذات سيادة في خانة المطلوبين، لا لأنه قاتل شعبه، بل لأنه رفض أن يسلّم بلاده ونفطها ومفتاح قرارها. وإن أردتم شاهداً أوضح، فانظروا إلى صدام حسين، رئيس أُخرج في بلده تحت الإحتلال، مُقيَّداً،  ثم قُدِّم قرباناً لنظام صنعته واشنطن. وإن لم يكفِكم ذلك، فانظروا إلى جان-برتران أريستيد في هايتي، رئيس منتخب خُطف ليلاً، أُجبر على الصعود إلى طائرة عسكرية، ونُفي قسراً خارج وطنه بلا محكمة ولا استقالة، هذه هي أميركا الحريات! هذه هي الديمقراطية التي تتغنّى بها: اعتقال رؤساء، إسقاط دول، وخنق شعوب بإسم القيم. أميركا ليست حامية للحرية، بل مصّاصة دماء سياسية، لا تعيش إلا على الفوضى، ولا تزدهر إلا حين تنهار السيادة. اليوم توقد النار في إيران، تجنّد ما استطاعت يمناها أن تجنّد، تتباكى على المتظاهرين نهاراً، ثم تنكث قولها ليلاً بالإعتداء على سيادة الدول، تماماً كما فعلت في كل مكان قالت فيه إنها جاءت “لتحمي”!

هذا ليس نفاقاً عابراً… هذا عقيدة أميركا!

عقيدة تعتبر سيادة الآخرين جريمة، واستقلالهم تهديداً، ودماءهم ثمناً مشروعاً لبقاء الإمبريالية، المستقبل لن يُحسم بخطابات غاضبة فقط، ولا بتنديد ولا باعتراض، بل بثورة، بل بالدماء من أجل الحق، بل بالوقوف أمام إعادة الأحادية القطبية لأميركا.

ابتروا يد أميركا مجتمعين فإنها تصطادكم، لا تميّز بين قريب وبعيد، ولا بين ضعيف وقوي، تبدأ بالهامش ثم تتقدّم إلى المركز، تصطاد بالتدريج، وتقنع كل حلقة أنّ الدور ليس لها حتى يأتيها الدور. أليست الوقائع المتلاحقة كافية لإيقاظ السؤال؟ أم سنبقى نعدّ الضربات كأنّها لا تعنينا؟، أليست محاولة اغتيال الرئيس الروسي مدعاة تنبه وتساؤل؟ ستبقون جالسين تنتظرون دوركم كالواقفين في محرقة هتلر ينتظرون الدور لوقدهم؟! أشعلوا سفاراتها في كل دول المعارضة! اقتادوا زيلينسكي مقنعاً في حضن روسيا! اكسروا شر أمريكا بالثورة!

على إيران أن تحذر من ترك السيل يندفع عشوائياً نحو رؤوس الهرم، لأنّ الفوضى حين تفقد اتجاهها لا تصيب الخصم وحده، بل تضرب الدولة من الداخل. أميركا لا تحتاج إلى دخول مباشر؛ حبلها طويل، تمتد به من الشارع إلى الاقتصاد، ومن الإعلام إلى العزلة الدولية. تراهن على الاستنزاف، لا على الضربة القاضية، وعلى إنهاك المركز عبر الأطراف. من يظنّ أن الانفلات يخدم المواجهة، لا يرى أن خصمه يتقن اللعب على الزمن، ويحوّل الاضطراب إلى أداة خنق بطيئة. الحكمة هنا ليست في كبح الغضب، بل في منع تحويله إلى جمر سندوس عليه قريباً جميعنا!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى