صحافة وآراء

‏زيارات “السفير”: علاقات عامة أم إستكشاف سياسي؟

حسين الرواشدة

بعد يومين من تقديم أوراق إعتماده لوزارة الخارجية (23 تشرين الثاني) إختار السفير الأمريكي في الأردن (جيم هولتسنايدر) مطعم “ريم البوادي” لتناول الغداء، لم يكن الإختيار -على ما يبدو- صدفة، المحطة الثانية كانت مضارب بني صخر لتقديم واجب العزاء، ثم إمتدت الزيارات إلى معان والبتراء ومهرجان الزيتون والسلط مركز البلقاء، السؤال: هل أراد السفير أن يتعرف على المجتمع الأردني، وأن يبني صورة من الميدان، بعيداً عن التقارير التي تصله، لطبيعة الأردنيين وأنماط تفكيرهم ومواقفهم السياسية تجاه بلده أولاً، وتجاه “قضايا الساعة” التي تراكمت منذ أكثر من عامين، أقصد الحرب على غزة وتداعياتها على الأردن والمنطقة؟

أكيد، زيارات السفير المُقرَّب من الرئيس الأمريكي “ترامب”، بما يحمله من خلفية عسكرية وسياسية، ومن خبرة طويلة في المنطقة، لا يمكن فهمها -فقط- في سياق العلاقات العامة والمجاملات الإجتماعية، أو تحت لافتة “واجباته الدبلوماسية”، أو حتى في سياق ما تقوله “الصورة” التي تعبر أحياناً أكثر من الكلام، وإنما تحتاج إلى فهم سياسي أعمق، يستند أولاً، وفي هذا التوقيت الملغوم بالأسئلة والتحولات، إلى قراءة أردنية مسطرتها المصالح العليا للدولة؛ هذه التي يجب أن تكون مُعرَّفة وواضحة للجميع، وتحديداً في سياق تصنيف التحالفات والشراكات والأولويات (ناهيك عن التهديدات والمخاطر)، وعلى قاعدة أن الإستثمارات السياسية لا تقل أهمية عن الإستثمارات الإقتصادية، في بلد يعاني من (شحّ) الإستثمارات.

لا يوجد -كما يكرر أكثر من مسؤول أردني- أي إشكالية بين عمان وواشنطن على صعيد العلاقات والتحالفات والمصالح المشتركة، ربما تعرضت لبعض الهزات في مراحل مختلفة، لكنها كانت، وما تزال، “خياراً” إستراتيجياً للطرفين، فيما قضايا المنطقة (أبرزها القضية الفلسطينية) هي التي كانت عنوان الإختلاف والتباين في المواقف، وهذا الإختلاف سيبقى معلقاً بالقضية الفلسطينية التي يبدو أن واشنطن لا تضعها، الآن، على قائمة أولوياتها، وعليه لا بد من تأطير هذه العلاقة بين البلدين، خاصة في هذه المرحلة بالذات، وفق حسابات عنوانها الإستدارة للداخل الأردني، أو كيف نفكر ونتصرف أردنياً، حيث حماية الأردن وضمان مصالحه واستقراره أولوية، وحيث تأكيد دور الأردن كحاضنة للعقلانية السياسية، وكفاعل وشريك أساسي في أي تفاهمات تتعلق بمستقبل المنطقة، هو المنطلق والغاية.

الدبلوماسية الشعبية جزء مهم من حركة الدولة، بشرط أن تدور في فلكها وتنسجم تماماً معها، السفير، أي سفير، -في تقديري- يمكن أن يساهم في إيصال الرسالة التي يتلقاها ويقتنع بها إلى مراكز القرار في بلده، الأردنيون (بعكس بعض زوار السفارات من النخب التي إنكشفت أجنداتهم) لديهم من الوعي الوطني ما يجعلهم يزاوجون بين كرم الضيافة وصدقية الخطاب والموقف، لا يوجد للأردن أي مصلحة في إستعداء أي طرف، حسابات هذه المرحلة بما تحمله من إستحقاقات سياسية وتغيير في الخرائط والتحالفات، تفرض على الدولة الأردنية بناء مواقف وقرارات محسوبة بدقة، ومحاولة “التكيف” مع كافة المستجدات بمنطق الإستثمار بالمتاح والممكن، وبما يتجاوز تحصيل الأرباح إلى التقليل من الخسائر، وبالتالي ترطيب العلاقة مع واشنطن، خاصة في ظل إدارة ترامب، مسألة مهمة في هذا السياق.

لا مجال الآن، أمام الأردنيين للتداول في أسواق المزايدات، أو الإحتكام لمنطق العواطف والإنفعالات، صحيح نحن ندعم أشقاءنا في غزة وفلسطين، نرفض هذه الحرب العدوانية عليهم، الأردن كان الأصدق موقفاً، للمطالبة بانهاء الحرب، الملك قال ذلك في البيت الأبيض والبرلمان الأوروبي وفي غيرهما، هذه المواقف الأردنية الصلبة، لا تتعارض أبداً، مع أي علاقة أو تحالف بين الأردن وأي دولة في العالم ما دامت تصب في مصالحنا الوطنية العليا، إضطرارات الدولة وخياراتها قد تختلف، أحياناً مع آراء النخب ورغباتها، لكن عند الأزمات الكبرى واجب القوى السياسية الوطنية أن تؤجل خلافاتها مع السياسات العامة والحكومات، وتقف في خندق الدولة وتنحاز لخياراتها.

باختصار، زيارات السفير الأمريكي إلى “ربوعنا الأردنية” ربما تكون جزءاً من عمليات إستكشاف سياسي، أو عملية جس نبض داخل المجتمع الأردني، تجد من ينتقدها أو يعارضها، لا بأس، لكن لا يوجد لدى الأردنيين ما يخجلون من قوله أمام السفير أو غيره، كما لا يوجد أي سبب للريبة من هذه الجولات، نحن الأردنيون -أو هكذا يجب- نتعامل مع دول العالم وسفرائهم في بلادنا بمنطق المصالح المشتركة والإحترام المتبادل، نرفض كل من يهدد بلدنا أو يتدخل في شؤوننا، ونمد أيدينا ونصافح كل من يقدّر بلدنا حتى يثبت العكس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى