صحافة وآراء

سعادة السفير بين الشهيق والزفير !؟

عمر الناصر

في زمنٍ تُقاس فيه الدول بمستوى حضورها الخارجي، يتحوّل المنصب الدبلوماسي إلى نافذة تعكس وجه الوطن، وهيبته، وثقافته، ومدى قدرته على إدارة علاقاته الدولية. لكن في العراق، يبدو أن “سعادة السفير” لا يحتاج اليوم إلا إلى مهارة واحدة وهي القدرة على “الشهيق والزفير” أما الكفاءة واللغة والخبرة، فهذه تعد من أمور الرفاهية “غير الضرورية” في قاموس توزيع المناصب كغنائم حزبية لا كمسؤوليات وطنية مؤسساتية.

من أبسط شروط العمل الدبلوماسي في كل دول العالم إمتلاك لغة أجنبية واحدة على الأقل. لكن لدينا أصبح السفير يدخل قاعات الإجتماعات الدولية وهو يعتمد على مترجم شاب يعمل بنظام الساعات المضاعفة لتغطية فجوة مهنية لا يمكن ترقيعها ببدعة المحسوبية. والأسوأ أن بعضهم لا يستطيع حتى صياغة جملة عربية سليمة أمام ميكروفون أو بيان رسمي يعكس رؤية الدولة في المحافل الدولية والإقليمية. فكيف يمكن لسفير لا يجيد لغة البلد الذي يذهب اليه ليدافع عن مصالح بلده؟ وتكون له قدرة التفاوض؟ ويشرح موقف الحكومة؟ ويشارك ويعزز آراءه بنقاشات سياسية معقدة؟ الجواب بسيط ومخجل: لا يستطيع ! وهنا أود الإفصاح بأن الدبلوماسية ليست مقعداً وبدلة وربطة عنق من دار ڤيرساتشي ، بل هي مدرسة متكاملة من العلمية، اللغة، الرصانة، المعرفة، القدرة على التفكير والتحليل، والمهارة في إدارة المفاوضات التي يشارك معهد الخدمة الخارجية بانتاج هذه الادوات.

المنصب صار مكافأة بداية الخدمة وليس مسؤولية لأن المشكلة ليست في الأشخاص، بل في منظومة محاصصاتية لا ترى في الدبلوماسي سوى “تمثيل حزبي متنقّل” يُمنح المنصب لمن هو مدعوم حزبياً خصوصاً بأن هنالك فرق شاسع بين “من يملئ المكان وهنالك من يملئ الفراغ”، أو قد يكون إنضمّ لحملة إنتخابية أو تربطه علاقة قرابة أو مصلحة أو شكّل وجوده خارج البلد فرصة لإبعاده عن الداخل ، وبهذه الطريقة يصبح السفير أحياناً عاجزاً عن كتابة تقرير سياسي محترم، أو قراءة وثيقة قانونية أو إعداد مذكرة تفاهم دون الإستعانة بمستشاريه.

وهنا أقول ان التمثيل الدبلوماسي هي الغدة اللمفاوية المناعية لجسد الدولة التي تمنح السيادة الوطنية جدار ناري “Fire wall” يواجه الأخطار والتحديات قبل وصولها لعمق الدولة، فعندما يكون “سعادة السفير” مجرد واجهة فإن سمعة الدولة تتراجع، وصوت العراق في الخارج يخفت ويتلاشى تأثيره، وتُفهم رسائلنا الدولية بشكل مبتور أو مشوّه، والأنكى من ذلك ان الدول الأخرى باتت تعلم أن بعض سفرائنا لا يمثلون مؤسسات، بل يمثلون كتلهم السياسية التي دفعتهم نحو هذا المنصب.

خارج النص، إصلاح هذه المنظومة من الأساس، يكون عبر فلاتر وإختبارات صارمة للمعيارية واللغة، فالدولة التي يمثلها سفير بلا لغة وبلا خبرة هي دولة تتنفس بربع رئة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى