خاص - ماتريوشكا نيوز

الضحيّة تدفن.. والقاتل يتعالج

في لحظة تبدو فيها المنطقة كلها معلّقة بين حرب مؤجّلة وإنفجار محتمل، يظهر التناقض صارخاً بين مشهدين متوازيين لا يلتقيان إلا في السياسة: إسرائيل تعلن إفتتاح عيادة جديدة للصحة النفسية مخصّصة لعلاج جنودها وعائلاتهم مجاناً، فيما تغرق غزة حرفياً، في مزيج قاتل من البرد والمجاعة وإنعدام المأوى، بعد أكثر من عام على حرب لم تنتهِ فعلياً، بل تبدّل شكلها فقط. منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يعد قطاع غزة مجرد ساحة إشتباك عسكري، بل دخل في مسار إنهيار شامل طال كل البنى الممكنة السكن، والغذاء، والصحة، والإقتصاد، والنسيج الإجتماعي. ومع إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ساد إنطباع مؤقت بأن القتل الجماعي توقف، غير أن الوقائع الميدانية سرعان ما كشفت أن الموت لم يغادر القطاع، بل غيّر أدواته. اليوم، يعيش أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني بلا مأوى فعلي. أحياء كاملة تحوّلت إلى ركام غير صالح للسكن، ومبانٍ متصدعة تُستخدم كملاذ مؤقت رغم خطر إنهيارها في أي لحظة. الخيام التي باتت الرمز الأكثر تكراراً للنجاة المؤقتة، لا توفّر حماية حقيقية، خصوصاً مع المنخفضات الجوية العنيفة التي تضرب القطاع بوتيرة متكررة. فالمنخفضات الأخيرة لم تكن عابرة أبداً أمطار غزيرة، رياح قوية، وإنخفاض حاد في درجات الحرارة، حولت مساحات النزوح إلى مستنقعات. أكثر من 90% من خيام النازحين تضررت، وبعضها غرق بالكامل، وبعضها تمزق، تاركاً العائلات في العراء. عشرات المباني المنهكة إنهارت كلياً أو جزئياً، وسُجّلت إصابات ووفيات نتيجة الإنهيارات أو السقوط في تجمعات المياه. والمنخفض العنيف لم يرحم غزة الجريحة، حيث إضطر كثيرون للخروج ليلاً من خيامهم المغمورة، حاملين أطفالهم، بحثاً عن أي مكان مرتفع وجاف، غالباً دون جدوى. هذه المشاهد لم تكن إستثناءاً، بل تكررت في شمال القطاع ووسطه وجنوبه. الأمم المتحدة، عبر وكالة أونروا، قدّرت أن نحو 235 ألف شخص تضرروا مباشرة من موجة الطقس الأخيرة وحدها، في قطاع لا يمتلك بنية إستجابة طارئة حقيقية. ومع كل منخفض جديد، تتكرر نداءات الإستغاثة، لكن حجم الإستجابة لا يوازي حجم الكارثة.

وإلى جانب البرد، تتقدم المجاعة بصمت. صحيح أن بعض التقارير تحدثت عن تراجع خطر المجاعة، لكن الواقع الميداني يُظهر أن الجوع لم يُرفع، بل أُدير عند مستوى يسمح بالبقاء الهش. التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي يؤكد أن أكثر من 1.6 مليون شخص، أي ما يقارب 77% من سكان القطاع، يواجهون إنعداماً حاداً في الأمن الغذائي. والأرقام هنا ليست مجرد إحصاءات. أكثر من 100 ألف طفل دون الخامسة، و37 ألف امرأة حامل ومرضعة، يواجهون خطر سوء التغذية الحاد حتى ربيع 2026. منذ مارس/آذار وحتى ديسمبر/كانون الأول، تم توثيق وفاة ما لا يقل عن 457 شخصاً بسبب الجوع وسوء التغذية، بينهم 165 طفلاً. هذه الوفيات لم تحدث دفعة واحدة، بل تراكمت ببطء، في صمت، بعيداً عن عدسات الحرب المباشرة. والمستشفيات، التي يعمل أقل من نصفها بشكل جزئي، تعاني نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات. أقسام الأطفال تستقبل آلاف الحالات المصابة بسوء تغذية حاد، بعضها يصل في مراحل متقدمة يصعب علاجها. أطباء يحذّرون من آثار طويلة الأمد: تأخر نمو، ضعف مناعة، أضرار عصبية، وإحتمالات وفاة حتى بعد النجاة المؤقتة. والأمهات في غزة يلدن في ظروف قاسية. نسبة متزايدة من الأطفال يولدون بوزن منخفض أو قبل أوانهم. كثير من هؤلاء لا ينجو بسبب غياب الحضّانات أو التغذية العلاجية. ومع ذلك، لا تزال المساعدات الإنسانية تخضع لما تصفه الأمم المتحدة بسياسة التقطير، إذ يدخل فعلياً بين 200 و300 شاحنة يومياً، معظمها تجارية، بدل 600 شاحنة إنسانية نص عليها الإتفاق. والقدرة المحلية على التعويض شبه معدومة. أكثر من 86% من الأراضي الزراعية دُمّرت وأصبحت غير قابلة للإستخدام. الثروة الحيوانية أُبيدت تقريباً بالكامل. الصيد البحري متوقف والأسواق تعمل بشكل محدود وبأسعار لا يقدر عليها معظم السكان. غزة باتت تعتمد كلياً على تدفّق خارجي غير مستقر، مشروط سياسياً وأمنياً. وسط هذا المشهد، تتصاعد أصوات الغضب واليأس. الداعية محمود العمودي وجّه نداءاً حاداً، سائلاً عن غياب العالم الإسلامي والعربي عمّا يجري، في تعبير عن شعور عام بالعزلة والتخلي. هذا الإحساس لا يقتصر على الخطاب الديني، بل يتردد في أحاديث المدنيين، والأطباء، والصحفيين، وحتى موظفي الإغاثة. وفي سياق توثيق جرائم الحرب المرتكبة في قطاع غزة، أعلن المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، يوم الإثنين نتائج تحقيق ميداني جديد كشف تفاصيل جريمة قتل جماعي نفذها الجيش الإسرائيلي في جنوب القطاع، وأدّت إلى إستشهاد خمسة عشر مدنياً فلسطينياً، معظمهم من الأطفال، نتيجة قصف جوي مباشر إستخدمت فيه قنبلتان ثقيلتان أميركيتا الصنع، دون أي سابق إنذار. التحقيق، الذي جاء ثمرة عمل ميداني إمتد لأشهر، أعاد فتح واحدة من أكثر المجازر قسوة خلال عامي الإبادة، وهي مجزرة عائلة “أبو نحل”، التي وقعت بتاريخ 17 فبراير/شباط 2024، في منطقة خربة العدس شمال شرقي مدينة رفح. في ذلك اليوم إستهدفت طائرة حربية إسرائيلية إستراحة تعود لعائلة نازحة، في قصف مباشر أدى إلى تدمير المكان بالكامل على رؤوس من بداخله. ولم يكن الموقع المستهدف سوى منشأة مدنية بحتة، إستخدمتها العائلة كملاذ مؤقت بعد نزوحها من مكان سكنها الأصلي. ولم يكن في المكان أي مظاهر عسكرية ولا نشاط لفصائل مسلحة، ولا بُنية تحتية يمكن ربطها بما تصفه إسرائيل عادة بـ” الضرورة العسكرية”. ومع ذلك، جرى إستهدافه بدقة عالية وبقوة نارية مفرطة في خرق صريح لقواعد القانون الدولي الإنساني، التي تفرض مبدأ التمييز والتناسب وإتخاذ الإحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. وأسفر القصف عن إستشهاد 15 مدنياً من عائلة واحدة، بينهم 13 طفلاً وامرأة، فيما نجا فتى واحد فقط ليكون الشاهد الوحيد على ما جرى. التحقيق الميداني، الذي إستند إلى معاينة مباشرة لمسرح الجريمة وتقاطع شهادات الناجين وشهود العيان، إلى جانب تحليل تقني للمواد الرقمية وآثار القصف، خلُص إلى نتيجة حاسمة، الموقع كان مدنياً بشكل صرف والإستهداف كان متعمداً ككل الإستهدافات التي أجرم فيها العدو بالغزاويين. وفي تفنيد مسبق لأي رواية إسرائيلية محتملة، أشار المرصد إلى أن الإستراحة كانت تضم 16 فرداً من العائلة، تجمعوا للإحتفال بمناسبة زواج أحد أبنائها. هذا التفصيل، الذي بدا عادياً في سياق الحياة المدنية، تحوّل في لحظة إلى دليل إضافي على طبيعة الجريمة فإن وجود عدد كبير من المدنيين في مكان واحد وفي مناسبة إجتماعية واضحة، يؤكد أن الهدف من الضربة كان قتل أكبر عدد ممكن من المدنيين الآمنين لا تحييد هدف عسكري مزعوم. والناجي الوحيد من المجزرة، أسامة إبراهيم أبو نحل، البالغ من العمر 16 عاماً، قدّم شهادة تختصر الفاجعة. يقول: كنا نجلس في جو عائلي سعيد بمناسبة زواج أخي. حوالي الساعة السادسة، وبدون أي سابق إنذار، وجدنا الصواريخ تسقط علينا، يتوقف السرد عند تلك اللحظة، حيث يتذكر أسامة أنه قُذف في الهواء قبل أن يفقد وعيه. وعندما إستيقظ، لم يكن المشهد أقل قسوة. وجد نفسه في المستشفى، وجسده مليء بالجروح والحروق، وقد ثُبّتت أسياخ بلاتين في يديه وقدميه. يسأل عن والديه، عن إخوته، عن العائلة التي كانت قبل دقائق تضحك وتحتفل. يخبره شقيقه، الذي كان خارج الإستراحة وقت القصف، أن الجميع قد إستشهدوا ولم ينجُ أحد غيره. تحليل آثار الدمار في موقع الجريمة شكّل عنصراً حاسماً في التحقيق. فقد رصد المرصد وجود حفرتين عميقتين خلّفهما الإنفجار، ما يؤكد إستخدام ذخائر ذات قدرة تدميرية عالية. ووفق التحليل، فإن الطائرة الحربية الإسرائيلية أسقطت قنبلتين من طراز  GBU-31وهي قنابل من نوع MK-84 بحزمة توجيه JDAM، تزن الواحدة منها نحو 900 كيلوغرام. هذه القنابل، المصممة أساساً لإختراق التحصينات العسكرية وتدمير الأهداف المحصنة، إستخدمت ضد مبنى سكني بسيط غير محصن. والنتيجة كانت إمتصاص التربة والأجساد لقوة الإنفجار، ما أدى إلى دمار كامل للموقع وتمزق أجساد الضحايا إلى أشلاء صغيرة، في مشهد يعكس حجم الإجرام الصهيوني. ورغم مرور أكثر من عام على الجريمة، لم يصدر الجيش الإسرائيلي حتى اليوم أي بيان رسمي يوضح ملابسات الهجوم أو يقدّم مبرراته الكاذبة، معتبراً أن هذا الصمت يأتي ضمن نمط متكرر يعكس إستخفافاً ممنهجاً بأرواح المدنيين. التحقيق يأتي ضمن مساعٍ أوسع تقودها مؤسسات حقوقية دولية لتوثيق ما تصفه بـ”جرائم حرب الإبادة الجماعية” التي إرتكبتها إسرائيل في قطاع غزة خلال عامي الإبادة، ولتفنيد الرواية الإسرائيلية التي تسوّق كل ضربة على أنها جزء من ضرورة عسكرية أو دفاع أمني. وهنا طبعاً على المجتمع الدولي  الاضطلاع الفوري بمسؤولياته القانونية والأخلاقية عبر إتخاذ إجراءات عملية وملزمة تتجاوز البيانات والمواقف اللفظية، وفي مقدمتها فرض وقف فوري ودائم لإطلاق النار، ووقف الهجمات على المدنيين ومراكز الإيواء ومناطق النزوح كما يجب على الدول التي تمتلك أساساً قانونياً للإختصاص القضائي على فتح تحقيقات جنائية مستقلة وفعّالة في الجرائم المرتكبة في قطاع غزة، بما فيها جريمة الإبادة الجماعية. وخلال عامي الإبادة، لم تكن مجزرة عائلة أبو نحل إستثناءاً. فقد إرتكب الجيش الإسرائيلي مئات المجازر الكبرى عبر قصف أماكن تؤوي نازحين فلسطينيين، بعضها أسفر عن إستشهاد أكثر من مئة مدني في لحظة واحدة، في نمط بات يشكّل سياسة ممنهجة لا أخطاء عرضية. في المقابل، وعلى الجانب الآخر من الحدود، تظهر صورة مختلفة تماماً. إسرائيل تعلن عن إفتتاح عيادات نفسية جديدة لمعالجة جنودها وعائلاتهم، في إعتراف ضمني بحجم الأثر النفسي للحرب على المجتمع الإسرائيلي، إضافة إلى ارتفاع الجرائم الجنسية بنسبة 45% في الأشهر الأولى من عام 2025، ما يعكس توتراً إجتماعياً متصاعداً. وإقتصادياً، تحذّر وزارة المالية الإسرائيلية من أن أي حرب جديدة، خصوصاً مع إيران، ستكون كلفتها غير محتملة، وقد تفرض تخفيضات قاسية في ميزانيات التعليم والصحة ورفع الضرائب. ومع ذلك، تواصل إسرائيل تعزيز قدراتها العسكرية، معلنة تسليم أول نظام إعتراض ليزري الشعاع الحديدي، وتقدّمه كتحوّل إستراتيجي في موازين الردع. ودولياً، لا يغيب الإحتجاج، لكنه يبدو مجزأً ومحدود التأثير. في لندن، تظاهرات للمطالبة بالإفراج عن ناشطين مؤيدين لفلسطين دخلوا في إضراب عن الطعام. في دول أوروبية أخرى، تُسجَّل إعتقالات على خلفية جمع تبرعات لغزة. تقارير متعددة تحذّر من تراجع الوجود المسيحي في فلسطين نتيجة إعتداءات ممنهجة على الكنائس ورجال الدين. وفي خلفية كل ذلك، تتبلور مقاربة سياسية عن الوضع الإعتيادي الجديد لغزة: لا حرب شاملة، ولا سلام، بل أزمة دائمة منخفضة الحدة، تُدار بدل أن تُحل في وقت ترتفع فيه التحذيرات الأممية من أن أي صدمة سياسية أو أمنية قد تعيد القطاع سريعاً إلى مجاعة شاملة لأن الأساسيات لم تُرمم. وبين عيادة نفسية تُفتح في إسرائيل، وخيمة تغرق في غزة، يتكرّس واقع غير متكافئ بحدة. طرف يعالج آثار الحرب، وطرف لا يزال يعيش داخلها، حتى بعد إعلان توقفها. وبين الطرفين، عالم يملك الأرقام ويقرأ التقارير، لكنه يكتفي بالمراقبة!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى