صحافة وآراء

على إيران أن تُبادر: من درس العراق إلى سيناريو الضربة الذكية

د. يوسف جابر

في شباط/فبراير 2003، عشية الغزو الأميركي–البريطاني للعراق، كانت الحشود العسكرية قد اكتملت على الأراضي الكويتية، على تماس مباشر مع الحدود العراقية. في تلك اللحظة المفصلية، عُقد اجتماع داخلي لعدد من كوادر جهاز المخابرات العراقية، وُضع خلاله سؤال حاسم:
هل يُبادر العراق بضرب هذه الحشود بما يمتلكه من قدرات، أم ينتظر بدء الحرب ثم يرد؟

الآراء انقسمت. فريق رأى أن المبادرة –ولو بإمكانات محدودة– كانت الخيار الوحيد المنطقي، لأن الانتظار في ظل اختلال فادح في ميزان القوة سيقود حتمًا إلى شلل كامل عند بدء الهجوم. في المقابل، حذّر فريق آخر من أن المبادرة ستُحمّل العراق مسؤولية إشعال الحرب، متجاهلاً أن القانون الدولي يجيز استهداف قوات أجنبية إذا شكّل وجودها تهديداً مباشراً!

لم يُحسم الجدل، ولم تُسجَّل مبادرة. النتيجة كانت معروفة: بدأت الحرب، فتم تحييد القوات العراقية بسرعة قياسية، وسقط النظام تحت وطأة ضربة ساحقة لم تُتح له فرصة الرد.

هذه الواقعة ليست استعادة تاريخية، بل درس استراتيجي:
التردد في لحظة التهديد الوجودي لا يمنع الحرب، بل يسهّلها، ويمنح الخصم ترف اختيار التوقيت والشكل والهدف.

اليوم، تبدو إيران في لحظة مختلفة شكلياً، لكنها متشابهة إستراتيجياً. فهي تمتلك قوة هجومية كبيرة، لكنها تعاني من هشاشة دفاعية في مواجهة ضربة دقيقة ومركّزة. الانتظار هنا لا يعني تجنب الصدام، بل السماح للخصم بتصميم ضربة ذكية تُنهي المعركة قبل أن تبدأ.

وهنا تحديداً يتقاطع درس العراق مع ما يجري تداوله في الكواليس الاستخبارية الغربية والإسرائيلية.

تتكشف في الكواليس ملامح سيناريو إستخباري واسع النطاق، ربما تقوم بصياغته دوائر القرار في تل أبيب وواشنطن، يقوم على فكرة توجيه ضربة مركّزة وبالغة الحساسية تستهدف رأس الهرم الإيراني علي الخامنئي وعدداً من القادة السياسيين والعسكريين، بهدف إحداث فراغ قيادي مفاجئ داخل بنية النظام الإيراني. هذا السيناريو، الذي يتردد ربما حظي بنقاش جدّي في مراكز القرار، لا يهدف إلى إشعال حرب مباشرة أو إطلاق حملة عسكرية واسعة لتدمير المنشآت النووية والصاروخية، بل إلى تحقيق أثر سياسي – إستراتيجي يعادل نتائج الحرب من دون كلفتها، وبما يقلل الحاجة للإنخراط العسكري الأميركي والإسرائيلي المباشر.

تقوم الفكرة على أن ضرب القيادة العليا سيصيب آلية إتخاذ القرار بالشلل، ويخلق حالة إرتباك داخلي تسمح بتوجيه النظام نحو مسار سياسي جديد تحت الضغط، وهو نموذج يشبه –سيكون وفق التقديرات الإستخباراتية – ما جرى في سورية بعد إزاحة بشار الأسد وصعود أحمد الشرع، حين إنشغل النظام السوري بالصراع الداخلي وترتيب السلطة، ما منح إسرائيل هامشاً واسعاً لتدمير جزء كبير من القدرات العسكرية السورية من دون ردع فعلي. القياس هنا ليس حرفياً، لكنّه يستند إلى منطق واحد: إرباك النظام من الداخل لفتح المجال أمام تدخلات خارجية محسوبة.

في حالة إيران، ترى إسرائيل أن النظام يعتمد بشكل شبه كامل على شخصية المرشد وشبكة حرس الثورة الإسلامية، وبالتالي فإن ضرب هذين المركزين معاً – ولو مؤقتاً – سيخلق فجوة لا يمكن سدّها خلال الساعات والأيام وربما الأشهر الأولى، وهي اللحظة التي سوف تستعد فيها أجهزة الإستخبارات لإستغلالها عبر عمليات تأثير وسيطرة على المشهد الإعلامي والميداني، تمهيداً لفرض مسارات سياسية جديدة. الهدف ليس إسقاط الدولة الإيرانية، بل إضعاف نظام الثورة الإسلامية وإجبار طهران على التراجع عن مشاريعها النووية والصاروخية والإقليمية، تحت ضغط خوفها من إنهيار شامل.

واشنطن من جانبها تدرك مخاطر هذا السيناريو، ولذلك تبدي موقفاً متذبذباً: هي لا ترفض فكرة الضغط القصوى، ولا تعارض مبدأ ضرب الحلقات الصلبة في النظام، لكنها تخشى أن يؤدي إغتيال المرشد إلى فوضى أمنية عميقة غير قابلة للضبط. لذلك يميل الموقف الأميركي إلى دعم عمليات “قطع الأطراف” كاغتيال قيادات في الحرس وتدمير منشآت صاروخية، دون الذهاب إلى الضربة التي تقطع رأس النظام بالكامل. أما إسرائيل فتعتبر أن إستهداف القيادة هو أقصر الطرق لوقف التقدم النووي والصاروخي من دون الحاجة لحرب شاملة، خاصة في ظل تقديرات إستخبارية بأن أي حملة جوية واسعة لن تنجح في تدمير كامل ما تبقى من البرنامج النووي والصاروخي المنتشر تحت الأرض.

الجانب الروسي دخل على خط الأزمة بتحذير طهران من أن النظام “في خطر” بسبب الضغوط الإقتصادية الكبيرة التي يعاني منها ، ليس بدافع حماية إيران، بل لمنع إنهيار حليف إستراتيجي قد يفتح الباب أمام صعود نخب براغماتية موالية للغرب أو أقل عداءاً له. فموسكو تدرك أن فراغاً في القيادة الإيرانية سيؤدي إلى إعادة تشكيل السلطة على أسس جديدة تُضعف دور حرس الثورة الإسلامية وتقلص النفوذ الروسي في المنطقة.

وفي العمق، تراهن بعض الدوائر الإستخبارية على إمكانية صعود نخبة تكنوقراطية – أمنية، ليست بالضرورة “موالية للغرب” بالمعنى المباشر، لكنها ليست جزءاً من العقيدة الثورية التي تقود إيران اليوم. هذا التيار سيظهر في لحظة إضطراب حين يجد الحرس الثوري نفسه مضطراً لقبول تسوية سياسية لإنقاذ الدولة من الإنهيار ولتجنب حرب أهلية وصدام داخلي بين مراكز القوة.

مع ذلك، تدرك إيران تماماً أن إستهداف شخص المرشد أو القيادة العليا يشكل تهديداً وجودياً للنظام كله، ولذلك رفعت من سقف تهديداتها وأعلنت بوضوح أن أي محاولة كهذه ستقود إلى رد غير محدود. وهذا يعني أن السيناريو الإستخباري –رغم أنه مدروس ومطروح – لا يزال محاطاً بمخاطر إنفلات غير محسوبة قد تشعل حرباً إقليمية واسعة وهو إحتمال ضعيف.

لكن تبقى الحقيقة أن تل أبيب وواشنطن تدرسان بجدية هذا النوع من العمليات، ليس كخيار أول، بل كخيار ضاغط يمكن تفعيله إذا وصلت المفاوضات والضغوط الإقتصادية والعسكرية إلى طريق مسدود. في منطقة تتغير فيها المعادلات بسرعة، ستكون ضربة واحدة قادرة على إعادة رسم مستقبل إيران والمنطقة، لكنّها ستكون أيضاً الشرارة التي لا يمكن التحكم بنيرانها بعد إشتعالها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى