
هل ستدمر غرين لاند العلاقة بين واشنطن والاتحاد الأوروبي والناتو (الجزء الثاني)
د. أيمن أبو الشعر
• كندا – التي أراد ترامب ضمها قبل حين- تحذره بشأن غرين لاند من أن البند الخامس من ميثاق الناتو لا يزال ساري المفعول
محاولة فاشلة
أشرنا سريعا في الجزء الأول ضمن النظرة التاريخية إلى أن ترامب تعلل بالخوف من احتمال سيطرة الصين وروسيا على الجزيرة ناهيك عن تذكيره بمرحلة الحرب العالمية الثانية كتبريرات لضمها إلى الولايات المتحدة، حيث أعلن أنه لن يسمح لموسكو وبكين أن يصبحا جيرانا لأمريكا، معتبرا أن امتلاك الولايات المتحدة لغرين لاند سيمنع تمدد نفوذ الروس والصينيين وسيحمي الأمن القومي الأمريكي، وهو بذلك يعتبر الجزيرة ذات أهمية جيوسياسية أمنية هامة في ظل التنافس الدولي المتصاعد في القطب الشمالي، وأكدت كارولين ليفيت الناطقة باسم البيت الأبيض بأن الرئيس ترامب يريد بوضوح أن تحصل الولايات المتحدة على الجزيرة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد إذ سرعان ما أضاف مبعوث ترامب إلى غرين لاند “جيف لاندري” بقصد تعميق تلك المبررات بأن الدانيمارك احتلت غرين لاند في انتهاك لميثاق الأمم المتحدة مشددا على أن الولايات المتحدة دافعت عن الجزيرة إبان الحرب العالمية الثانية في حين لم تستطع الدانيمارك فعل أي شيء لها، ثم عاودت احتلال الجزيرة بعد الحرب في خرق لميثاق الأمم المتحدة، ونشير هنا- بالطبع بغض النظر عن موقفنا الرافض عموما لأي استعمار – إلى أن في الأمر خلطا ماكرا للأوراق فقد عادت غرين لاند إلى التبعية الدانماركية بفعل انتهاء الحرب حيث كانت تحت الحماية الأمريكية نتيجة اتفاقية وقعها السفير الدانماركي مع الولايات المتحدة عام 1941 لحمايتها وإقامة قواعد فيها، وسرعان ما حولتها الدانمارك عام 1953 إلى مقاطعة، وألغت عنها صفة المستعمرة، مع بقاء القواعد الأمريكية فيها حينها، ولهذا سارع السفير الدانماركي الحالي في الولايات المتحدة “يسبر سورونسن” للتأكيد على أن الولايات المتحدة والأمم المتحدة والعالم أجمع اعترفوا مرارا بتبعية غرين لاند للدانمارك، مشددا على أن مصيرها منوط بشعبها وبالدانمارك وحدهما، وأن شعبها صوت لصالح الحكم الذاتي داخل الدانمارك ما يجعل محاولة المبعوث الأمريكي فاشلة تماما، وزاد الأمر سوءا أن قدم عضو الكونغرس الجمهوري راندي فاين مشروع قانون يدعو بصريح العبارة إلى ضم غرين لاند إلى الولايات المتحدة ومنحها صفة ولاية، ولكن كيف كانت ردود الفعل تجاه تصريحات ترامب والموقف الأمريكي عموما.
ردود الفعل المباشرة من أصحاب القضية
استمرارا لموقف السفير الدانماركي آنف الذكر كان من البديهي أن تثير تصريحات ترامب حفيظة المسؤولين الدانماركيين فعبرت رئيسة وزراء الدانمارك ميتي فريديريكسن عن قلقها منوهة بأن الأصعب عمليا في مسألة الجزيرة لم يأتي بعد، وشددت على أن بلادها كافحت كي تصمد أمام الضغط الكبير غير المقبول على الإطلاق من أقرب حلفائها- الولايات المتحدة- والذي استمر لفترة طويلة، والملفت للنظر في هذا السياق أن صحيفة بايس الاسبانية نقلت عن مصدر عسكري قوله: “إن كنا نريد إرسال إشارة إلى الولايات المتحدة فبإمكاننا إرسال قوات لنا من بورنهولم إلى غرين لاند، وهذه إشارة خطيرة في الواقع فهي في الجوهر تحد لأقوى جيش في العالم.
من جهة ثانية يبدو أن ترامب ما زال يعوّل على أن شعب الجزيرة كله لا يتعدى 56 ألف نسمة وبالتالي يمكن إغراؤهم بالمال، فهو لا ينوي استئجار الجزيرة بل تملكها بالكامل، ومن البديهي أنه مستعد لدفع مئات أضعاف ما دفع أسلافه لقاء فلوريدا مثلا أو ألآسكا، لكن معظم الدلائل تشير إلى رفض سكان غرين لاند أن تكون أرضهم سلعة تعرض للبيع، فالأحزاب الخمسة في برلمان غرين لاند ترفض أن تكون خاضعة للولايات المتحدة، وتظهر الإحصاءات أن 85% من السكان يرفضون التبعية للولايات المتحدة رغم التلويح بمغريات تحفيزية بعشرات آلاف الدولارات لكل فرد لجذب السكان ودفعهم للانفصال عن الدانمارك والانضمام إلى الولايات المتحدة، وقد وجه يارلوف رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الدانمركي نداء عاجلا إلى سكان غرين لاند مطالبا إياهم بالتعبير بوضوح عن رغبتهم في البقاء ضمن المملكة الدانماركية محذرا من أن الولايات المتحدة تعد بالفعل خططا لاحتلال الجزيرة…وبالتالي ماذا إن فشلت محاولات ترامب في استمالة السكان وهذا هو الأرجح، وكان قد نوه بأنه إن لم يستطع الحصول على الجزيرة بالأسلوب السهل فسيحصل عليها بالأسلوب الصعب.
ردود فعل موسكو وبكين
جاء أول رد من موسكو على لسان مدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي على ما طرحه الرئيس ترامب بسخرية واضحة حيث نوه بأن الرئيس ترامب سيحصل على منصب الرئيس المؤقت لغرين لاند وسيتمكن من تدمير وكر مافيا المخدرات في موطن الشر الموجود في مدينة نوك الضخمة، وأنه نتيجة عملية عسكرية فريدة سيتمكن من إلقاء القبض على الأوربيين الذين سعوا لتدمير الولايات المتحدة ومحاكمتهم ذاكرا بعد ذلك أسماء عدد من القيادات الأوربية، وذلك في إشارة لاقتحام فنزويلا واعتقال رئيسها وتقديمه للمحاكمة واعتبارها مركزا لتجارة المخدرات وموافقة ترامب على استمرار نائبة مادورو كرئيسة مؤقتة، وحتى وصف نوك بالمدينة الضخمة وهي من أصغر عواصم العالم يحمل طابع السخرية حيث لا يزيد عدد سكانها عن عشرين ألف نسمة. ثم جاء تصريح زاخاروفا الناطقة باسم الخارجية لتؤكد رسميا أن ليس لروسيا أو الصين أية أطماع لا من قريب وال من بعيد بهذه الجزيرة وأعلنت تأييد موسكو لموقف بكين من الاتهامات ترامب ساحبة بذلك هذه الذريعة نهائيا.
الجدير بالذكر أن الصين عبرت عن امتعاضها وطالبت واشنطن بأن تكف عن استخدام الدول الأخرى ذريعة لتحقيق مصالحها، وأكدت المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ أن القطب الشمالي منطقة تخص مصالح المجتمع الدولي برمته ونشاط الصين هناك يهدف لتعزيز السلام والاستقرار
ردود الفعل الأوروبية
جاءت اطروحات ترامب حول غرين لاند لتهز بقوة تلك الثقة ا شبه المطلقة بين أوروبا والولايات المتحدة بل وتهز أيضا مدى تماسك حلف شمال الأطلسي وخاصة بعد أن زهرت بوادر الانشقاقات في نتيجة تمايز الموقف من أوكرانيا، بل إن موضوع ضم غرين لاند دفع إلى تذكر رغبة ترامب قبل ذلك حتى بضم كندا وجعلها الولاية الواحدة والخمسين ما أثار استهجانا ورفضا واضحين، لكن تصريحات أخرى توحي باحتمال حدوث الانشقاق الكبير، فقد أعلن وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو أن فرنسا ستفتتح قنصلية لها في غرين لاند وأن على واشنطن أن تتوقف عن ابتزاز غرين لاند منوها بأن مناصبة العداء لعضو في حلف الناتو ليس أمرا منطقيا، بل يتعارض حتى مع مصالح الولايات المتحدة ذاتها، وأعلن وزير الدفاع الألماني بيسوريوس بأن الناتو يدرس تنفيذ تدابير محتملة لتعزيز الأمن في غرين لاند بالتنسيق مع الدانمارك، والإشكالية العجيبة هي كيف سيتم التعامل مع البند الخامس من ميثاق الناتو؟ وهو يطالب بتكاتف الجميع عسكريا لدعم أي بلد عضو في الناتو إن تعرض لاعتداء خارجي، خاصة أن رئيس وزراء كندا مارك كارني إبان زيارته إلى الصين ذكَّر الرئيس ترامب بأن الدانمارك شريك في الناتو، وأن المادة الخامسة من ميثاقه لا تزال سارية المفعول مشددا على تأييدها دون تحفظ، ثم كيف ستتعامل أوروبا إن تدهورت الأمور إلى السيطرة العسكرية على غرين لاند مع القواعد الأمريكية على أراضيها، وطرح بعض دول الناتو أرسال قوات لها إلى غرين لاند لن يحل الأزمة بل سيزيد تفاقمها، فالمفارقة العسكرية كبيرة جدا عدا عن قرب غرين لاند جغرافيا من الولايات المتحدة.
لذا يمكن القول أن معظم المعطيات توحي بأن أوروبا ستحاول امتصاص هذه المفارقة وتحاول مهادنة واشنطن، بل ولا يستثنى أن تضطر إلى الرضوخ للأمر الواقع لتجنب الصدام الذي سيعني نهاية حلف الناتو، عدا عن مخاطره العالمية، والأرجح أنها تنتظر انتهاء فترة ترامب لتسعى من جديد لإعادة تبعية غرين لاند إلى الدانمارك.




