
أزمة المياه تتفاقم عالميا.. رياض الدباغ: الأمن المائي مسؤولية مشتركة
تتقدم أزمة المياه إلى واجهة التحديات التي تواجه البشرية، في ظل تراجع حصة الفرد من الموارد المائية وتزايد الضغوط الناجمة عن التغير المناخي والنمو السكاني والاستهلاك المفرط وسوء إدارة الموارد، فيما تستعد العاصمة الإماراتية أبوظبي لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمياه، بالشراكة مع السنغال، خلال الفترة من 8 إلى 10 ديسمبر 2026.
وفي حديثه عن مستقبل الموارد المائية، قال الأستاذ الدكتور رياض حامد الدباغ، المتخصص في شؤون المياه والطاقة والبيئة، إن المياه أصبحت «موضوع الساعة»، باعتبارها أساس الحياة، مشددا على أن كمية المياه الموجودة على الأرض محدودة، في حين يتواصل استهلاك هذا المورد من دون تقدير كاف لحاجة الأجيال المقبلة.
ويأتي هذا التحذير في وقت تتجه فيه معدلات توافر المياه للفرد نحو مستويات أكثر صعوبة، مع ارتفاع الطلب على المياه المخصصة للشرب والطهي والاستخدامات المنزلية، فيما تتداخل عوامل المناخ والنمو السكاني وأنماط الاستهلاك والإدارة في زيادة الضغط على الموارد المتاحة.
وأشار الدباغ إلى أن البشرية تواجه بالفعل تفاوتا كبيرا في الوصول إلى المياه، لافتا إلى أن أعدادا كبيرة من السكان في إفريقيا وآسيا تعاني من عدم القدرة على الوصول إلى المياه، الأمر الذي يحول أزمة الموارد المائية إلى قضية تتجاوز حدود إدارة الموارد لتصبح مرتبطة مباشرة بحياة المجتمعات وتنميتها.
وفي استعراضه للتجربة الإماراتية، أشار الدباغ إلى أن الإمارات تعاملت منذ وقت مبكر مع المياه باعتبارها موردا استراتيجيا، موضحا أن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بدأ العمل على توفير المياه بصورة مستدامة، ومن أبرز الإجراءات التي اتخذت في هذا السياق إنشاء أكثر من 1200 سد.
وأوضح أن هذه السدود أقيمت بهدف تغذية المياه الجوفية، خصوصا في المناطق الواقعة على أطراف المناطق الجبلية، حيث تهطل الأمطار في الإمارات خلال فترات قصيرة وتتجه كميات منها سريعا نحو البحر. ووفقا للدباغ، فإن احتجاز هذه المياه وتخزينها يتيح الاستفادة منها في تغذية المخزون الجوفي بدلا من فقدانها.
ويربط الدباغ بين هذه التجربة وبين توجه الإمارات الحالي نحو تعزيز ما يسميه «المرونة المائية»، من خلال الجمع بين إدارة الموارد والاستثمار في البنية التحتية وتطوير تقنيات توفير المياه، إلى جانب التعاون الدولي وتبادل الخبرات.
ويأتي هذا المسار في إطار أوسع للسياسات الإماراتية المرتبطة بالمناخ والطاقة والاستدامة، ولا سيما بعد استضافة مؤتمر الأطراف «كوب 28»، الذي أفضى إلى «اتفاق الإمارات»، الذي تضمن دعوة إلى الانتقال بعيدا عن الوقود الأحفوري، إلى جانب مضاعفة كفاءة الطاقة وزيادة قدرة مصادر الطاقة المتجددة.
ويشير الدباغ، الذي قال إنه عمل في الإمارات منذ عام 2003 في مجال البيئة والمياه والطاقة، إلى أن هذه الملفات باتت تمثل تحديات استراتيجية مترابطة، وأن التعامل معها يحتاج إلى رؤية تتجاوز الإجراءات المحلية نحو تعاون دولي أوسع.
ومن هذا المنطلق، يضع الدباغ استضافة أبوظبي لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه في سياق الاهتمام الإماراتي بملف المياه، معتبرا أن المؤتمر يمثل امتدادا لهذا المسار، وفرصة لتعزيز العمل الدولي المشترك في مواجهة التحديات المائية.
ويؤكد أن الأمن المائي لا يمكن أن يكون مسؤولية دولة واحدة، خصوصا أن المياه مورد طبيعي محدود يرتبط بحياة البشر في مختلف الدول، وبالتالي فإن مواجهة التحديات المرتبطة به، وفق طرحه، تحتاج إلى تعاون دولي ولا تحتمل التعامل معها بمنطق الانفراد.
وعلى مستوى الحلول، يرى الدباغ أن تحلية المياه تمثل أحد المسارات الأساسية لتأمين الإمدادات، مشيرا إلى توسع الإمارات في إنشاء محطات التحلية وتوفير المياه للمجتمع، لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة أن تعمل الدول الأخرى على تطوير قدراتها في هذا المجال، بالتوازي مع ترشيد الاستهلاك وتحسين إدارة الموارد.
ولا يختزل الدباغ مواجهة أزمة المياه في زيادة كميات المياه المتاحة، بل يربطها أيضا بكيفية استخدام المورد وإدارته، وبالتعاون بين الدول وتبادل الخبرات والتقنيات، بما يسمح بتوفير المياه بصورة مستدامة.
ومع انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في أبوظبي، يعود الأمن المائي إلى صدارة النقاش الدولي، في ظل تزايد الضغوط على الموارد وتداخلها مع ملفات المناخ والطاقة والتنمية. وبين محدودية المياه وارتفاع الطلب عليها، يبرز التحدي الأساسي في قدرة الدول على تطوير إدارة أكثر استدامة لهذا المورد، وضمان وصوله إلى المجتمعات، مع الحفاظ على نصيب الأجيال المقبلة منه.




