
تُنسب الأنثروبولوجيا المُستقبلية (Futures Anthropology) بالدرجة الأولى إلى الانثروبولوجست مارغريت ميد (Margaret Mead) بالاشتراك مع زميلها روبرت تيكستور (Robert B. Textor)، ففي سبعينيات القرن العشرين دعوا كلاهما في سلسلة من مؤتمرات الجمعية الأنثروبولوجية الأمريكية إلى تأسيس فرع يُعنى بدراسة المستقبل من منظور أنثروبولوجي يُعرف بـ (الأنثروبولوجيا الاستباقية أو التوقعية)، والذي تطور المفهوم لاحقاً بعد أن مر التخصص بتحولات إبستمولوجية كبيرة لِيُشار إليه بـ الأنثروبولوجيا المستقبلية، فقد طُبق هذا الاصطلاح على صعيد الفكر النقدي في الثقافة الرقمية والاستشرافية حديثاً، وذلك بعد ان ساهم في تطويره وتأطيره أنثروبولوجيون مُعاصرون مثل أرجون أبادوراي (Arjun Appadurai) من خلال أطروحاته حول “جغرافيا المستقبل” وتخيل العوالم المستقبلية، كما ويمكن ان نستفاد من هذا الاصطلاح في موضوعات نحتاجها في وضعنا الراهن في جغرافيتنا، فضلاً عن التوقيت الذي تتوسع به الامبريالية لفرض نفوذها علينا كوننا جُزء من الشرق الذي تستهدفه، فردع الاستعمار بآلية لن نجدها معرفياً إلا في الرؤية من هذه الزاوية التي تُعيد تفكيك الهيمنة والأحقية لأسترداد بناء المُستقبل، حيث تحولت الأنثروبولوجيا المستقبلية بيد الباحثين المُهتمين إلى أداة داعية لإنهاء الاستعمار (Decolonization) بواسطة ردعه عبر محاور رئيسية منها:
كسر احتكار الحداثة والزمن المستقبلي بعد ان فرضت القوى الاستعمارية حصرية رسم سيناريوهات المستقبل (التقني، الاقتصادي، والاجتماعي) بيدها، واضعة الشعوب المستعمرة في منطقة التخلف والتُراث الذي مضى وولى..
تسائل جيرار لوكلرك بهذا الوقت تحديداً قائلاً: على ماذا تقوم الرؤية الإمبريالية للعالم من قبل دول المركز؟ والذي يقصد بهم المستعمرين الذين يودون أن يبسطوا نفوذهم على دول العالم التي يعتبرونها توابع لهم، ليُجيب جاك بيرك بقوله: لقد فرضت ما خلصت به أبحاث المهتمين بهذا المشروع حول خصائص الثقافة خارج ثقافتهم الى ما سموه تدنياً حضارياً مقارنة بنموذجهم الثقافي، في حين أنهم في المقابل على يقين بأن العكس هو الصحيح، لذلك تضخمت لدى إدارتهم السياسية والعسكرية وكذلك مؤسساتهم الفكرية عُقدة التفوق والتمركز حول الذات أكثر فأكثر والذي نتج عنه باسم العقل والعلم والتقدم نزاعات فكرية تصب كُلها في مصب واحد وهو تكريس فكرة تقدم الأنسان المُستعمر وجدارته بالهيمنة على العالم، اي تمدينه بنشر الحضارة، ومن أهم هذه النزعات النزعة التأريخية والنزعة التطورية والنزعة العرقية والنزعة العلموية والنزعة الاستشراقية الاستعمارية للإمبريالية، حيث انهم فرضوا على العالم طريقة وعي في الوقت الذي كانوا يفرضون فيه شكل الإدارة، من هنا أحتدم الصراع بين أنثروبولوجيي القوى الإمبريالية لكشف الحد الأقصى من عناصر الغرابة بحافز العلم تارة وبحافز اللذة تارة أخرى لتشكيل الدوافع التي سوغ بها المستعمر انتشاره اللامشروع، وبين أصحاب الانثروبولوجيا المستقبلية أو الانثروبولوجيا الثورية باصطلاحها هذا الذي جاء به جيرار لكلارك في كتابه الأنثروبولوجيا والاستعمار والصادر في 1972م والذي ركز فيه على تشبيك التفكير المستقبلي برؤى الشعوب المحلية والأصلية، مُعلناً عن وجود مُستقبلات مُتعددة (Pluriversal Futures) وليست صيغة غربية واحدة، بوسائط عديدة منها تفكيك “استعمار الخيال” (Colonization of Imagination)، حيث أن هذا الاصطلاح يقول: بان الاستعمار لا يحتل الأرض فحسب، بل يستعمر المُخيلة الجمعية عبر إيهام الشعوب بإن الغرب هو خيار المستقبل الوحيد.
عززت هذه أفكار الأنثروبولوجيا الثورية -المُستقبلية كما أشرنا والتي قادتها المدرسة الثقافية النسبية، فكرة إبادة الاستعمار وتحرير الشعوب، ليس سياسياً واقتصادياً فحسب بل ثقافياً أيضاً، من خلال فضح مخططات تأريخ التوسع الغربي سواء بأدواته العنيفة أو المرنة التي يبادر بها الى توجه دفة العالم لصالحة بدعوى أهليته الفكرية والعلمية والتكنولوجية، وقد لعبت الثقافة النسبية دوراً في حماية الشعوب من تدخل الامبرياليين، وبالتالي منع حرمانهم من إدارة أنفسهم والحفاظ على أنساقهم الثقافية الأصيلة من الأقصاء أو المحو المُبرمج، فقد كانت هناك ردات فعل تُحاكي هذا التوجه تولى قيادتها بعض المُتنورين حتى ممن تسنى لهم الدراسة والتعلم في مدارس الاستعمار ومؤسساته، فمناهضة الاستعمار لم تكن عملاً عسكرياً وحسب بل كانت عملاً ثقافياً، بواسطة التمسك بالإرث الذي أرادت تلك الإرادة طمسه تغييره أو تبديله، لأنها وصمت الشعوب الحاملة له (بالرجل المريض) لتكون هي الحكيمة التي تحمل إليه الشفاء؟!
أما مثقفو العالم الثالث الحقيقيون فقد أعلنوا أن التمسك بثقافتهم وبشروط حياتهم لا يعني البقاء في مرحلة دنيا في الاقتصاد أو التنظيم أو في الحياة ككل، بل يعني الحفاظ على نوع من الأصالة ونوع من الروح الوطنية التي لا بد منها لتقبل كل الشروط الموضوعة ولتقبل كل الأفكار الجديدة، وقد ساعد هذا التوجه وسندتهُ الأنثروبولوجيا المعاكسة القائمة على تطبيق المناهج الأنثروبولوجية نفسها لقراءة وفهم ونقد الثقافة الغربية، أو المؤسسات الاستعمارية، أو الثقافات المهيمنة، من منظور المجتمعات التي كانت موضوعاً للدراسة سابقاً، والداعية إلى تفكك الاستعمار؛ هُنا اتخذت الأنثروبولوجيا الحالة التي تُعد بمثابة العلم الذي يشبه العملة بوجهيها، إلا أن أحدهما سلبي وعلى العالم أن يُحسن الاختيار، ونستطيع أن نفسر ذلك بالقول: بما أن الأنثروبولوجيا بدأت مع بداية الاستعمار واستعملوها كأداة لمعرفة الشعوب التي رغبوا في السيطرة عليها وبالفعل قد عملوا بها وحققوا غاياتهم، وبما إنها سلاح ذو حدين، لذلك نستطيع أن نستعملها من خلال دراساتنا المُكثفة عن هذه الموضوعات، فضلاً عن استعمالها كطرف أخر للمعادلة اي (كأداة للمقاومة) عندما نريد معرفة تفصيلات عن المُحتل للدخول من ثغراته الضعيفة ومن ثم ردعه وتحرير الأراضي المغتصبة كردة فعل يفترض أن تكون طبيعية، ولا يفترض أن يفسروا هذه الدعوة بالانغلاق على الذات ورفض التواصل البناء والمُتوازن مع الآخر بمواضع أخرى من الحياة، بل يجب أن تفسر على أنها حماية لمبدأ التماسك بالدعوة إلى التمسك بالإرث الثقافي لهُوية الشعوب الأصيلة التي حاول المد الإمبريالي طمسها وتشويه ملامحها بواسطة أدخال مفهومات تُحاكي المد الاستعماري بجُل أدواته بواسطة منظماتهم المُتغلغلة في الشعوب التي تقع تحت وصايتهم، وكذلك لوبياتهم الإعلامية العالمية التي باتت مُمتدة بكل مكان تصل إليه الميديا عبر الشاشات.
نعود هُنا مُستدركين لنسأل كيف تفكك الأنثروبولوجيا المستقبلية هذا التأثير، وما هي أدواتها؟
تعد الإثنوغرافيا التشاركية الاستشرافية المستقبليات الممكنة والمفضلة من منظور الفاعلين الاجتماعيين أنفسهم اول الادوات التي يتم من خلالها إشراك المُجتمعات المحلية في تخيل مستقبلها السياسي والاقتصادي بناءً على قيمها الخاصة وخصوصياتها الثقافية، فضلاً عن استعادة المعارف المحلية (Indigenous Epistemologies) بواسطة إعادة الاعتبار للأنظمة المعرفية المحلية لدول الشرق وتوظيفها لتطوير حلول مستقبلية لأزمات المناخ والتكنولوجيا والتنمية المستدامة، فضلاً عن الانتقال من إثنوغرافيا “الملاحظة” إلى أدوات “التغيير” التي تنتقل بواسطتها الأنثروبولوجيا المستقبلية من مجرد توصيف المجتمعات وسلوكياتها إلى تصميم أدوات مقاومة عملية: اي تصميم السيناريوهات البديلة التي تُساعد المُجتمعات على استشراف آليات المقاومة وتجنب أنماط الهيمنة الكولونيالية الجديدة (كالاستعمار الرقمي واستعمار البيانات)، ومن ثم إعادة امتلاك المستقبل وتحويل المجتمعات المستعمرة من موضوعات يُدرس مستقبلها إلى “صنّاع وفاعلين” يقررون مصيرهم البيئي والاجتماعي بأنفسهم، بهذه الطريقة تتجاوز الأنثروبولوجيا ماضيها الاستعماري لتصبح منصة تمكين جيل جديد من الباحثين والمجتمعات؛ لتفكيك النماذج الغربية المُترسخة واستعادة الحق الإنساني الأصيل في تخيل الغد وصناعته.




