صحافة وآراء

التفسير المدني للقرآن.. القلب السليم في دولة تتعلم

الدكتور ليث شبر

نجرب اليوم أسلوباً جديداً في مشروعنا «التفسير المدني للقرآن»، يقوم على العودة إلى ما كتبناه سابقاً، ومراجعته وتطويره في ضوء ما اكتسبناه من معرفة وما استجد لدينا من أفكار. وهذا المنهج ينسجم مع رؤيتنا للدولة المدنية الذكية السيادية النابضة، التي تقوم على قابلية التعلم والتحديث والترقية المستمرة (Upgrade)، فالفكرة التي تتوقف عن النمو تفقد شيئاً من حيويتها، والمؤسسة التي تعجز عن مراجعة نفسها تبدأ بالتقادم، وكذلك فهمنا للنصوص، إذ تتسع آفاقه كلما تقدمت معرفتنا بالإنسان والمجتمع والعالم.

في الثامن والعشرين من آب الماضي، كتبنا عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وهي آية رافقتني مذ وقعت عيناي عليها، وأستحضرها كلما أردت تقييم إنسان بعيداً عن ألقابه وثروته ومكانته. وقد انتقلنا في قراءتنا الأولى من سلامة الفرد إلى سلامة المجتمع والدولة، أما اليوم فأريد أن أتقدم خطوة أخرى، وأن أسأل عن قدرة القلب السليم على مراجعة ذاته، وعن العلاقة بين سلامة الضمير وقابلية العقل والمؤسسات للتصحيح والتطور.

تستوقفني في الآية مفردة «سليم»، بما تحمله من دلالة السلامة والعافية والخلو من العلل، فالسلامة ليست صفة جامدة نكتسبها مرة واحدة ونحتفظ بها إلى الأبد، وإنما حالة تستلزم رعاية ومراقبة ومقاومة مستمرة لما يطرأ عليها من أمراض. ومن هنا تنفتح أمامنا قراءة مدنية جديدة؛ فالقلب الذي يرفض مراجعة قناعاته، ويستعصي على الاعتراف بأخطائه، ويحول مواقفه القديمة إلى مقدسات شخصية، يعرّض سلامته للاختلال مهما حسنت نواياه.

وفي قوله تعالى ﴿لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ إزاحة لمقاييس التفوق التي صنعها الإنسان لنفسه، فالمال يمنحه القدرة، والبنون يمنحونه الامتداد، والجاه يمنحه الحضور، بيد أن شيئاً من ذلك لا يعوض فساد الباطن. وإذا نقلنا هذا المعنى إلى الدولة، وجدنا أن وفرة الموازنات وكثرة المؤسسات واتساع النفوذ لا تكفي للحكم على سلامة الحكم؛ فالدولة قد تكون غنية بمواردها وفقيرة في عدالتها، ومتقدمة في تقنياتها ومتخلفة في أخلاق إدارتها، وقوية بأجهزتها ولكنها عاجزة عن حماية كرامة مواطنيها.

وهنا نصل إلى العلاقة بين القلب والعقل، وهي علاقة تستحق إعادة النظر في كثير من تصوراتنا الموروثة، فسلامة القلب تمنح المعرفة وجهتها الأخلاقية، والعقل يمنح تلك الوجهة أدوات الفهم والاختبار والتصحيح. وقد يمتلك الإنسان معرفة واسعة يوظفها للإضرار بالآخرين، مثلما قد يحمل نوايا حسنة تقوده إلى قرارات كارثية بسبب ضعف المعرفة، ولذلك تحتاج الحياة المدنية إلى ضمير يقظ وعقل متجدد، يتعاونان على إنتاج القرار الرشيد ومراجعة نتائجه.

أما الدولة الذكية التي ندعو إليها، فإن سلامتها تتجسد في قدرتها على اكتشاف أمراضها قبل استفحالها، وتصحيح قراراتها قبل تراكم أضرارها، وتحديث قوانينها ومؤسساتها كلما كشفت التجربة عن قصور فيها. ومن هذا المنظور يصبح الاعتراف بالخطأ فضيلة مؤسسية، وتصبح الشفافية أداة تشخيص، والمساءلة جهاز مناعة، والبحث العلمي وسيلة لتجديد المعرفة، وتغدو الترقية المستمرة جزءاً من طبيعة الدولة نفسها، بما يحفظ حقوق الناس ويمنع تحول السلطة إلى امتياز مغلق على أصحابه.

وأجد في هذه المراجعة سبباً إضافياً لتطوير مشروع «التفسير المدني للقرآن»، فكل قراءة نقدمها ينبغي أن تظل مفتوحة للفحص والإغناء، وأن نميز فيها بين الدلالة القرآنية الأصلية وما نستنبطه منها من تطبيقات مدنية معاصرة. فالآية تتحدث عن الإنسان ومآله أمام الله، ونحن نستضيء بمعيارها الأخلاقي في التفكير بالمجتمع والدولة، مع إدراك الفارق بين النص واجتهادنا في توسيع مجالات الإفادة منه.

وهكذا نعود إلى القلب السليم بفهم أكثر اتساعاً؛ قلب يحمل القدرة على الإنصاف، وشجاعة الاعتراف، ومرونة التعلم، ونزاهة استخدام القوة والمعرفة، وهي خصال نحتاج إلى غرسها في الإنسان وترجمتها إلى ضمانات وقواعد ومؤسسات.

ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذه المراجعة أن سلامة الدولة، مثل سلامة الإنسان، تحتاج إلى يقظة دائمة، وأن أعظم ما يهدد الاثنين هو الاعتقاد بأنهما بلغا الكمال ولم يعودا بحاجة إلى التغيير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى