صحافة وآراء

الرئيس بوتن يوجه رسالة ضمنية حاسمةلواشنطن ولكييف وللغرب الداعم

د. أيمن أبو الشعر

زيلينسكي يهدد روسيا بتعطيل مجالها الجوي وبوتن يرود أن موسكو سترد بالشكل المناسب، وأن أوكرانيا لا تستطيع التسبب بأضرار جدية.


موسكو ترحب بالوساطة الأمريكية

لم يكن صدفة أن يقدم الرئيس الروسي مثل هذه التصريحات النوعية الشاملة بعد انتهاء قمة منظمة شانغهاي في بيشكيك عاصمة قرقيزيا، ومن الواضح أنه أراد أن تكون هذه التصريحات بمثابة رسالة موجهة لواشنطن وكييف بالدرجة الرئيسية وهي بمدلولها موجهة للغرب ممثلا بالناتو والاتحاد الأوروبي، ولكنها تعنيه بشكل واخز بمعنى افتحوا عيونكم جيدا. وقد أوضح أن موسكو ترتاح لمشاركة الولايات المتحدة في الوساطة، لا سيما مع أشخاص تعرفهم جيدا وتثق بهم لا سيما من المقربين من الرئيس الأمريكي ترامب، كما أوضح أن روسيا لا تمانع حتى من مشاركة متخصصين عسكريين ودبلوماسيين في العملية التفاوضية شريطة أن تكون مساهمتهم ذات طابع إيجابي وأن موسكو مستعدة للتفاوض مع أي شخص فعال يرغب في ذلك، وفي ذلك إشارة إلى احتمال قبول ممثلين عن أوروبا في هذه المفاوضات

وقد بات واضحا أنه استفاد من أن الرئيس الصيني قدم البيان المشترك ونتائج عمل منظمة شانغهاي حيث أتاح ذلك للرئيس بوتن أن يركز على القضايا الأمنية الساخنة وتوضيح مساراتها الأخيرة فقد تضمن حديثه عمليا ردا غير مباشر على تهديدات زيلينسكي بأنه عمليا سيغلق المجال الجوي الروسي حتى أنه حذر حتى شركات الطيران المدنية بأن الأجواء الروسية نتيجة الاستخدامات المكثفة للمسيرات لم تعد آمنة الأمر الذي اعتبره الرئيس بوتن إرهاب دولة، ورغم اقراره بأن مسألة الطائرات المسيرة تشكل التحدي الرئيسي إلا أن موسكو ستجد الطريقة التي ترد فيها على خطوات كهذه، مؤكدا في غضون ذلك أن أوكرانيا لا تستطيع تعريض روسيا لمخاطر جدية ولا أن تتسبب بأضرار جسيمة، ولا تستطيع توجيه ضربات موجعة لموسكو منوها بأن أوكرانيا نفسها ستواجه أزمات حقيقية قريبا في المجالات النقدية، وستنعكس على ميزانيتها وبنوكها نتيجة كونها أصبحت تبيع منتجات أقل وبالتالي تحصل على أموال أقل في الوقت الذي يتزايد إنفاقها، وتراجع الإيرادات هذا سينعكس في تعثر المنتجين وعجزهم عن تسديد القروض التي حصلوا عليها.

رسالة ضمنية إلى واشنطن

في حديثه عن مسار التفاوض أوضح الرئيس بوتن أن كييف عمليا تفتقر إلى من يفاوض رغم أن روسيا لا تشن ضربات تستهدف قيادة النظام الأوكراني وذلك انطلاقا من واقع أن روسيا بحاجة إلى وجود أشخاص يمكن أن تتفاوض معهم إذا هم أدركوا أنهم بحاجة فعلية لحل المسائل العالقة بالوسائل السلمية، وهنا تكون هذه التصريحات موجهة إلى واشنطن، وبشكل أدق إلى مبعوثي الرئيس ترامب في هذه القضية ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر اللذين سبق أن أُجلت زيارتهما في أغسطس الفائت، ويرجح أن تنفذ في سبتمبر الحالي، وقد اتصل الرئيس زيلينسكي بوقت متزامن تقريبا مع تصريحات بوتن هذه اتصل بالمبعوثين ويتكوف وكوشنر بهدف التنسيق لموعد الزيارة ومضمونها، ومن الواضح أن مثل هذه الزيارات تكون عادة لموسكو وكييف على حد سواء، وبالتالي يكون الرئيس بوتن قد نوه بأن موسكو مستعدة للحوار والتفاوض ولكن ليس بهدف وقف مؤقت للقتال بل لإنهاء الأزمة من جذورها وتكريس حل شامل وعادل ومستدام، وهذا المضمون سبق أن أوضحته موسكو مرارا بأنها لن تقبل بوجود دولة إلى جانبها وعلى حدودها وتكون كالشوكة في خاصرتها، ولهذا أعلن بوضوح أن موسكو لا تقبل بتجميد الحرب بل ترغب بتحقيق سلام دائم وكامل.

الواقع الميداني أبلغ رسالة

الرسائل الضمنية للغرب جاءت عن طريق الحديث عن المعطيات الميدانية، وهي في إطارين الأول أن كل هذا التدفق الهائل من الأسلحة لدعم أوكرانيا لا يؤثر على الواقع القتالي في الجبهة والذي اختصره الرئيس الروسي بتقديم معطيات عملية كنتائج حيث أوضح أن القوات الروسية توسع من تقدمها وتحرر بلدات جديدة حيث حررت خلال شهر أغسطس وحده 270 كيلومترا مربعا في دونيتسك و15 بلدة، وهي لا تزال تتقدم بقوة في مختلف الاتجاهات بما في ذلك في زاباروجيه، أي أن الأمر لم يعد يقتصر على دونباس وحدها، وأن الغرب والحال كذلك يشجع أوكرانيا للاستمرار في الحرب وخسارة مزيد من الأراضي، وحتى في الشمال الشرقي أحرزت القوات الروسية نجاحات مشهودة في منطقة خاركوف وباتت القوات الروسية على بعد 12 كيلومترا عن طريق سومي الدائري، وهو طريق امداد استراتيجي، ولهذا عبَّر عن قناعته بأن العدو سينهار قريبا.

ضربات انتقامية وحصار

هناك جانب حساس آخر موجه لكييف أولا وللغرب ثانيا ولواشنطن ثالثا، وذلك ليأخذ ويتكوف وكوشنر كل ذلك بعين الاعتبار في مساعيهما للسير نحو المفاوضات، وهو إعلان الرئيس بوتن بأن 13 كتيبة من القوات المسلحة الأوكرانية باتت محاصرة تماما، أي أن الحديث يدور عن قرابة 5000 عسكري، ومن غير المعقول أن تتجرأ كييف على غض النظر عنهم، لأن ذلك سيفسر أن عدة آلاف من الجنود تمت التضحية بهم مجانا، وتأكيده على أن أي منشأة عسكرية في أوكرانيا هي هدف مشروع سواء أكانت بريطانية أو غيرها.

وحين يعلن الرئيس بوتن بشكل صريح في مؤتمر صحفي دولي كهذا عن أن الجيش تلقى أوامر بشن ضربات إنتقامية واسعة النطاق ضد البنى التحتية الأوكرانية، فهذه رسالة أكثر من واضحة للغرب وكييف على حد سواء خاصة أن ذلك يعني أن الجيش تلقى الأوامر منه شخصيا باعتباره القائد العام للجيش والقوات المسلحة، وأن هذه الأوامر تقضي باستهداف واسع النطاق للبنى التحتية للطاقة الأوكرانية بمعنى سنرد الصاع بصاعين وذلك نتيجة استمرار القوات الأوكرانية باستهداف منشآت الطاقة الروسية.

أخيرا يبدو أن مضمون هذه الرسائل وصل سريعا إلى المعنيين في ككيف وواشنطن وبروكسل.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى