صحافة وآراء

الروبوت والذكاء الخارق

الدكتور ليث شبر

من آلات بديع الزمان الجزري في القرن الثالث عشر إلى ظهور أول روبوت صناعي حديث سنة 1961، امتدت رحلة طويلة من الابتكار الهندسي، ثم جاءت ثورة الذكاء الآلي التي بدأت تتبلور علمياً منتصف القرن العشرين، لتفتح آفاقاً جديدة أمام البشرية. وهنا ينبغي أن نميز بين الروبوت بوصفه آلة تؤدي أعمالاً مادية، والذكاء الآلي بوصفه منظومة قادرة على التعلم والاستدلال ومعالجة المعرفة، والذكاء الخارق الذي يتجاوز القدرات البشرية، وقد تحقق هذا التفوق في مجالات محددة، فيما يستمر البحث عن بلوغه بصورة شاملة. واليوم يلتقي الروبوت بالذكاء المتقدم، لنشهد ثورة قد تعيد تشكيل العمل والإنتاج والحياة الإنسانية.

وقد أدركت الدول الكبرى أن هذا التحول سيعيد رسم موازين القوة والسيادة والنفوذ، فدخلت الولايات المتحدة والصين سباقاً محموماً على العقول والرقائق والروبوتات والبنية الحاسوبية، وتعمل أوروبا على امتلاك قدرات تقنية أكثر استقلالاً، فيما تطور الهند وروسيا وإسرائيل منظوماتها الوطنية، وتستثمر الإمارات في مشروعات عملاقة مثل «ستارغيت الإمارات». ويتوقع إيلون ماسك وسام ألتمان وغيرهما تحولات متسارعة خلال سنوات قليلة، مع انتشار الروبوتات الذكية وتطور قدرات الحوسبة. وقد امتد التنافس إلى امتلاك المعرفة والبيانات والطاقة وسلاسل الإنتاج، وربما نشهد إعادة توزيع للقوة العالمية تتقدم فيها الدول المنتجة للذكاء وتتراجع الدول المستهلكة له، مهما امتلكت من ثروات طبيعية.

ولدينا في العراق عقول مبدعة تقتحم هذه الآفاق العلمية، وفي مقدمتها الدكتور عبد السلام المياحي الذي قدم في أحدث ابتكاراته الهندسية منهجاً متقدماً للحوسبة البنيوية الموجهة بالمخرجات، يقوم على فكرة عميقة مفادها أن الحاسوب يستطيع الوصول إلى النتيجة المطلوبة عبر تحديد البنية المؤثرة فيها سببياً، واستبعاد العمليات غير الضرورية، والتحكم بالموارد الحاسوبية وفق ما يتطلبه الحساب الفعلي، مع المحافظة على الدقة. وقد قدم تطبيقات وتجارب عملية لهذا المنهج في الحوسبة الكمومية والتقليدية، فاتحاً مساراً بحثياً لإعادة التفكير في بنية العمليات الحسابية وكفاءتها. وتتصل هذه الجهود بمشروعه الفكري الأوسع حول الزمن الداخلي والذكاء والوعي، وهي أسئلة تمس فلسفة المعرفة وطبيعة العمليات التي تنتجها، وتكشف عن طموح العقل العراقي للمشاركة في صناعة المستقبل.

أما محتكرو القرار السياسي في العراق فأراهم يعيشون في واد بعيد عن هذه التحولات، مستغرقين في نشوة المناصب والصفقات والأموال وصراعات النفوذ، وقد أسهموا في تقسيم المجتمع بين موالٍ أضعفت العصبية وعيه النقدي، وناقمٍ أثقلته الخيبات بالغضب والكراهية، حتى أمسى الجميع يتصارعون داخل الوادي نفسه، بينما تتسابق الأمم نحو المستقبل. أما نحن في المبادرة الوطنية للإصلاح فنحاول الوقوف على قمة الرؤية والاستشراف وإنتاج المشروعات، لكننا نفتقر إلى الموارد والإمكانات، وتلك مفارقة مؤلمة بين من يمتلكون سلطة القرار والمال، ومن يمتلكون الأفكار والمعرفة والطموح.

ومن هنا انطلق مشروعنا لبناء «الدولة المدنية الذكية السيادية النابضة»، وطرحنا مفهوم الذكاء السيادي القائم على قدرة الدولة على التعلم والتطور والترقية والتحديث المستمر (Upgrade)، وبدأنا اختبار بعض تطبيقاته عبر حكومة الظل الوطنية المنتجة بوزاراتها الخمسين التطوعية، وإشراك المستشار الذكي والسكرتير الذكي في القيادة العليا. إن مستقبل العراق يحتاج إلى عقل دولة يتعلم وينتج ويستشرف، ويستثمر ثرواته وعقول أبنائه في صناعة المعرفة، وأخشى أن نستيقظ بعد سنوات لنكتشف أن العالم انتقل إلى حضارة جديدة، بينما ما زلنا نتخاصم على مقاعد السلطة في دولة تمتلك كل مقومات النهضة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى