
في زمن تتحول فيه بعض المنصات الإعلامية إلى مسارح للإثارة الرخيصة، يصبح تزوير الوثائق أخطر من تزوير الوقائع نفسها. ما عُرض في برنامج “الصندوق الأسود” الذي يعرض عبر قناة المحور الإلكترونية الكويتية على منصة يوتيوب، لم يكن قراءة في التاريخ ولا كشفاً لملفات مخفية، بل نموذجاً فجّاً لإنحدار مهني خطير، يقوم على تمرير أوراق مزورة على أنها وثائق سيادية، دون أدنى إلتزام بالتحقق أو المسؤولية الإعلامية.
لم يكن إهتمام السيد سالم الجميلي (لواء مخابرات ومسؤول شعبة أمريكا في جهاز مخابرات العراق أبان حكم الرئيس صدام حسين) بمتابعة برنامج “الصندوق الأسود” نابعاً من مضمون الرواية التي طُرحت أو من شخصية الضيف، فالسياق العام معروف ومكرّر منذ سنوات، ولا يحمل جديداً على مستوى الوقائع. غير أن ما استدعى التوقف الجاد عند الحلقتين (17 و18) هو عرض ما قُدّم على أنه وثائق رسمية صادرة عن رئاسة الجمهورية وأجهزة المخابرات، الأمر الذي يفرض بطبيعته مسؤولية مهنية وأخلاقية في التحقق من صحتها. وبعد مراجعة دقيقة لما عُرض على الشاشة، تبيّن بشكل قاطع أن هذه الوثائق مزوّرة شكلاً ومضموناً، ولا تمت بأي صلة مؤسسية لا لرئاسة الجمهورية ولا لأي جهاز أمني أو استخباري، ما يحوّل الحلقة من مادة إعلامية إلى نموذج فاضح للتضليل وتزوير التاريخ ودلالات التزوير التي أوضحها هي التالي:
1- إن شكل الكتب والخط غير منتظم من حيث الأسلوب الركيك واللغة والترتيب.
2- إن الرئاسة لا تخاطب الأجهزة الأمنية جميعاً بكتاب واحد مُعنون إلى الجهات الثلاث في مقدمة الكتاب، إنما تخاطبها بأسلوبين: إما أن تخاطب كل جهة بكتاب منفصل، أو تكتب إلى جهاز المخابرات، وفي أسفل الكتاب تعطي نسخة منه إلى الأمن العامة والإستخبارات لإتخاذ مايلزم.
3- في كتب الرئاسة لا توجد أختام، بينما ظهر ختم قرب التوقيع، وهذا دلالة على التزوير.
4- إن مدير جهاز المخابرات العام 2002 كان الفريق طاهر الحبوش، وليس رافع الطلفاح، الذي لم يكن يوماً مديراً لجهاز المخابرات، بينما كان الكتاب الخاص بجهاز المخابرات الذي عرضه الضيف موقّعاً من قبل رافع الطلفاح، وهذه أكبر دلالة على التزوير الفج. كما إن اسم مدير الجهاز لا يكتب في المخاطبات مطلقاً..
5- في القضايا المشتركة، غالباً ما تطلب الرئاسة تشكيل لجنة من الأجهزة الأمنية الثلاث تعمل كفريق واحد، وليس كما ورد في الوثائق أن كل طرف يعمل بشكل منفصل في قضية واحدة، فهذا غير مسموح على الإطلاق.
6- شاهدت في رسالة ضابط الأمن المرفوعة إلى المدير ختماً وتوقيعاً بالقلم الأخضر، وهذا لا يجوز؛ فالخط الأخضر أو الشذري مخصص للمفاصل العليا بالأجهزة الأمنية، أما المفاصل الدنيا فيُستخدم اللون الأزرق والأسود فقط.
7- وردت عبارة في كتاب الرئاسة (الجمهورية العراقية)، بينما التسمية الصحيحة هي جمهورية العراق منذ العام 1988 وهذا الخطأ لا يحصل في سكرتارية الرئاسة ابداً..
8- لم ألاحظ وجود ثقوب في الوثائق تدل على أرشفتها، إذ إن جميع وثائق الأجهزة الأمنية تُثقَب من الجانب الأيمن بهدف أرشفتها وربطها بالملفات، مما يدل على إن الكتب مزورة ومن خارج المؤسسات الأمنية.
9- لم يُشر الضيف إلى كيفية حصوله على هذه الوثائق، وكيف جمعها من ثلاث أجهزة مختلفة، علماً أن هذه الوثائق لا تُعرض في المحاكم مطلقاً.
10- لم يتسنَّ لي مشاهدة الرموز في كتاب جهاز المخابرات لنكتشف المزيد من دلالات التزوير المضحكة.
في الختام، نجزم” بضرس قاطع” إن الكتب مزورة بطريقة غبية، وليس لها أي أساس من الصحة. ومن المؤسف إن برنامج الصندوق الأسود يعرض وثائق مزورة دون أن يتحرى دقتها، فهذا إنحدار مهني صادم.




