صحافة وآراء

العراق البوفاري

الدكتور ليث شبر

صادفني وأنا أقلب صفحات الريلز فتاة تتكلم عن البوفارية فتهاوي إلى عقلي هذا السؤال؛ هل يمكن لدولة كاملة أن تصاب بالبوفارية؟ قد يبدو السؤال غريبًا، لكنه يصبح أكثر دهشة إذا عرفنا أن البوفارية، المأخوذة من شخصية «إيما بوفاري» في رواية غوستاف فلوبير، تصف حالة يعيش فيها الإنسان داخل صورة يتخيلها عن نفسه حتى تبتعد عن واقعه. وما أخشاه أن العراق أمسى يعيش شيئًا من هذه البوفارية الوطنية؛ عراقًا نتحدث عنه أكثر مما نبنيه، ونتخيله أكثر مما نراه، ونمنحه في الكلمات من الصفات ما تعجز الوقائع عن إثباته.

نحن بلد الحضارات، وهذه حقيقة تاريخية، وبلد الثروات، وهذه حقيقة جيولوجية، وبلد السيادة كما تقول خطبنا، لكن الحضارة إرث يحتاج إلى حاضر يوازيه، والثروة التي لا تتحول إلى إنتاج ومعرفة ورفاه تبقى أرقامًا تحت الأرض، والسيادة تقاس باستقلال القرار ونفاذ القانون وحماية المال والمياه والطاقة والحدود والبيانات. هنا تبدأ البوفارية العراقية: في المسافة بين الصفة التي نمنحها لأنفسنا والحقيقة التي تنتظرنا خارج النص.

وقد تسللت البوفارية إلى لغتنا السياسية؛ فلدينا «استراتيجيات» و«مشاريع كبرى» و«تحولات تاريخية» لا تنتهي، حتى أصبح حجم العراق في البيانات أكبر من حجمه في الإنجاز. نفتتح المشروع فنحتفل بالصورة قبل اكتمال البناء، ونعلن الخطة قبل وضع مؤشرات قياسها، ونصف المؤسسة بالريادة قبل سؤال المواطن عن خدمتها. ونصف نظامنا بالديمقراطي فيما المحاصصة تمسك بمفاصل واسعة من السلطة، ونتحدث عن دولة المؤسسات فيما تتقدم عليها العلاقات والقوى، ونرفع السيادة إلى مرتبة المقدس فيما تتنازع القرار الوطني تأثيرات متعددة. والخطر أن تكرار الصورة قد يجعلنا نصدقها، والذي يظن نفسه معافى لن يبحث عن العلاج.

وتظهر بوفاريتنا اجتماعيًا في أيام الزيارات الدينية والمناسبات الكبرى؛ نفتح البيوت والمواكب، ونبذل الطعام والمال والجهد بسخاء مدهش، ونتسابق في الإيثار وخدمة الغريب، وهذه خصال عراقية أصيلة، لكننا نعود بعد انتهاء المناسبة إلى مجتمع يعاني الفقر والتفاوت والإهمال. نحن بارعون في كرم المناسبة، ولم نحول هذا الكرم إلى نظام تكافل، ولا الإيثار إلى مؤسسة، ولا البذخ في الطعام إلى مشروع لمواجهة الجوع، ولا الحماسة الجماعية إلى طاقة لبناء المدرسة والمستشفى والمدينة. ولو انتقل بعض هذه الروح من الموسم إلى السنة، ومن الموكب إلى المؤسسة، ومن إطعام العابر إلى تمكين المحتاج، لتغير وجه العراق.

وحتى اعتزازنا بالماضي يمكن أن يتحول إلى بوفارية حضارية إذا أصبح تعويضًا عن عجز الحاضر؛ فهنا كتبت ألواح سومر، ونهضت بابل، وأصبحت بغداد يومًا من أعظم مراكز المعرفة، لكن الأمم الكبرى لا تسكن متاحفها. حضارة الأجداد تمنحنا مسؤولية إضافية، ولا تمنحنا تفوقًا مجانيًا، والسؤال الأهم ليس ماذا كتب العراقيون القدماء على ألواحهم، وإنما ماذا نكتب نحن اليوم على لوح المستقبل.

الخروج من العراق البوفاري يبدأ بتقليص المسافة بين الاسم والمسمى، والخطاب والواقع، والرقم والنتيجة؛ دولة قوية عندما يصبح قانونها أقوى من الجميع، واقتصاد متين عندما ينتج خارج برميل النفط، وسيادة مكتملة عندما يصبح القرار العراقي بيد مؤسساته، وإصلاح حقيقي عندما نكتشف الخلل ونقيس أثر معالجته. العراق يحتاج إلى الانتقال من دولة تصف نفسها إلى دولة تعرف نفسها؛ تجمع بياناتها، وتكتشف أعطالها، وتتعلم من أخطائها، وتبني قوتها بتراكم واعٍ. وعندها لن نحتاج إلى أن نقول للعالم كل صباح إن العراق عظيم، لأن الدولة التي تصنع عظمتها تجعل الآخرين هم الذين يقولون ذلك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى