
يصادف الثالث والعشرون من آب الذكرى الخامسة بعد المئة لتتويج الملك فيصل الأول ملكاً على العراق عام 1921، تتويجاً جاء استكمالاً لقرار مؤتمر القاهرة الذي عقدته بريطانيا في آذار من العام ذاته، والذي أفضى إلى إنشاء كيان ملكي يجمع ولايات بغداد والبصرة والموصل العثمانية الثلاث في دولة واحدة ذات هيكل حديث، وإن ظلت خاضعة للانتداب البريطاني في تلك المرحلة.
يُشار إلى هذا التاريخ عادة بوصفه لحظة تأسيس الدولة العراقية الحديثة، غير أن هذه المقولة، على شيوعها، تستدعي مساءلة نظرية أعمق تتجاوز السرد التاريخي المباشر إلى مستوى تفكيك المفهوم ذاته: أي دولة نتحدث عنها حين نقول “تأسست”؟
فالنموذج الذي استند إليه تأسيس العراق عام 1921 هو، في جوهره، النموذج “الوستفالي” للدولة، ذلك الشكل السياسي الذي أرسته معاهدة وستفاليا عام 1648، بعد سلسلة من الحروب الدامية أبرزها حرب الثمانين عاماً بين إسبانيا وهولندا، وحرب الثلاثين عاماً التي مزّقت أوصال الإمبراطورية الرومانية المقدسة، والتي اندلعت أصلاً بذريعة حماية الطوائف المسيحية المتصارعة داخل الأراضي الألمانية. وقد أفضت تسوية وستفاليا إلى صياغة مبدأين جوهريين: السيادة الإقليمية المطلقة للدولة، وفصل الدين عن ممارسة السلطة السياسية، وهو ما شكّل الإرهاص الأول لما بات يُعرف لاحقاً بـ”العلمانية” بمفهومها التأسيسي، كما شكّل، في الآن ذاته، الإيذان بانتهاء العصر الوسيط الأوروبي وولادة “الدولة القومية” بصيغتها المعاصرة.
بيد أن الدولة الوستفالية ليست، بحسب إجماع علماء الأنثروبولوجيا السياسية والآثار، إلا محطة متأخرة نسبياً في مسار طويل من تشكّل الظاهرة السياسية للدولة، إذ تعود أولى تجلياتها المؤسسية إلى بلاد ما بين النهرين قرابة الألفية الثالثة قبل الميلاد، حيث نشأت المدن-الدول السومرية بما حملته من تراتبية إدارية ودينية وأولى أشكال الكتابة الإدارية. أما الصيغة الوستفالية للدولة الحديثة، فقد استكملت نضجها النظري لاحقاً على يد فلاسفة التنوير عبر نظريات العقد الاجتماعي، ثم تُوّجت معرفياً مع مدرسة ماكس فيبر التي حدّدت للدولة الحديثة ثلاثة أركان جوهرية: الاحتكار الشرعي للعنف، الحكم البيروقراطي العقلاني، والسيادة الإقليمية المعترف بها
انثروبولوجيا السياسة تقدّم قراءة مغايرة جذرياً لهذه السردية “الأوروبية المركزية” لنشأة الدولة؛ فبحسب هذا التوجه، تنبثق الدولة، كظاهرة اجتماعية، حين يجتمع عدد من البشر في حيّز جغرافي واحد، بما يفرض عليهم بالضرورة تعاوناً أمنياً وسياسياً، وخضوعاً لبنى اجتماعية جامعة تنظّم علاقاتهم، وفي هذا السياق، قدّم المفكر بندكت أندرسون، في أطروحته الشهيرة عن “الجماعات المتخيّلة”، تفسيراً مغايراً لنشأة الدولة القومية ذاتها، إذ رأى أنها لم تكن وليدة معاهدة وستفاليا بقدر ما كانت وليدة الشعور الجمعي الذي تبلور لدى المستوطنين الأوروبيين (“الكريول”) في الأراضي الأمريكية، حين وجدوا أنفسهم يُعاملون كمواطنين من درجة ثانية من قِبل حكوماتهم الأصلية في بريطانيا وإسبانيا والبرتغال وفرنسا، مقارنة بأقرانهم الذين لم يغادروا القارة الأوروبية. فكانت القومية، في هذه القراءة، نتاج وعي جماعي بالتمايز والإقصاء، لا نتاج تسوية دبلوماسية بين ملوك وأمراء.
بناءً على هذا التمييز النظري، لا يمكن القول إن الثالث والعشرين من آب 1921 يمثّل تاريخ “قيام الدولة” في العراق بالمعنى الأنثروبولوجي المطلق، كما يذهب الاعتقاد الشائع، بل الأدق أن يُقال إن ما تحقق في ذلك اليوم هو قيام “النموذج الوستفالي للدولة” على أرض العراق، أي إسباغ الصيغة الحديثة للسيادة والحدود والمؤسسات على كيان جغرافي-بشري كان قائماً بصورته الأنثروبولوجية الأولى منذ آلاف السنين.
وهذا التمييز، على دقته النظرية، يفنّد في الوقت ذاته المقولة “الساذجة” التي تختزل نشأة العراق في كونه مجرد صناعة استعمارية بريطانية، أو محصلة آلية لاتفاقية سايكس-بيكو بين وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا، فما ينبغي الوقوف عنده حقاً هو النموذج الأنثروبولوجي الأعمق للدولة في هذه البقعة من الأرض، والذي يمتد جذوره إلى الألف الثالث قبل الميلاد كدولة بمعناها الأولي، أما بوصفها دولة حديثة، أي قائمة على مبادئ العقد الاجتماعي، والحكم البيروقراطي العقلاني، والاحتكار الشرعي للعنف بالمعنى الفيبري، فتلك مرحلة أرى تقديرياً أن العراق يملك هيكلها الشكلي، لكنه هيكل لا يزال محشوّاً بمكانيزمات ما قبل الدولة، تتصارع مع صورته الرسمية المعلنة دون أن تُحسم الغلبة بعد لأيّ منهما.



