صحافة وآراء

انتصاران بينهما نصف قرن من التيه العربي

حسن نافعة

هلت على العالم العربي في الأسبوع الماضي ذكرى حدثين عظيمين، الأول: جسده إنجاز عسكري كبير، تحقق في حرب خاضها الجيشان المصري والسوري معاً، يوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول 1973، وصادف يوم الثلاثاء الماضي ذكراها الـ53. الثاني: جسّدته عملية جريئة وغير متوقعة قامت بها حركة حماس يوم 7 أكتوبر 2023، تحت شعار “طوفان الأقصى”، حيث تمكّنت من اجتياح الحدود التي تفصل قطاع غزّة عن بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، وسيطرت على قواعد عسكرية متاخمة لهذه الحدود عدة ساعات متواصلة، تمكنت خلالها من قتل وإصابة ما يقرب من 1200 جندي ومستوطن وأسر عشرات منهم، في أضخم عملية عسكرية في تاريخ المقاومة الفلسطينية المسلحة.

يفصل بين الحدثين التاريخيين نصف قرن، كان يفترض أن يكون العالم العربي قد تمكن خلال هذه الفترة من قطع أشواط يعتد بها على طريق التكامل والتنمية وبناء القدرات الذاتية، مستفيداً من الانتصار الكبير الذي تحقّق عام 73. وبالتالي، أصبح الآن في وضع يسمح له باسترداد حقوقه الضائعة، والتمتع بسلام حقيقي تفرضه موازين قوة تميل لصالحه. ولو كان هذا قد حدث لانتفت الحاجة أصلاً إلى عملية طوفان الأقصى التي اضطرّت حماس لها، بكل ما لها وما عليها، غير أن ما حدث كان العكس تماماً. فبعد الإنجاز الذي تحقق في حرب 73 على صعيد العمل العسكري، أديرت السياسة المصرية بطريقة عشوائية، اتسمت بنبذ النهج العلمي الذي مكنها من صنع إنجازها العسكري الوحيد في مرحلة ما بعد الاستقلال، ما تسبّب في دخول العالم العربي كله في حالة من التيه، استمرّت سنوات طويلة، وانتقلت خلالها راية النضال من يد دول عربية مؤثرة في المنطقة إلى يد فاعلين عرب من غير الدول، الأمر الذي ترك فراغاً كبيراً أخلّ بموازين القوى في المنطقة لغير صالح العالم العربي، خصوصاً أن بعض دول الجوار الجغرافي سارعت إلى ملئه. وتلك مفارقة تستحقّ التوقف عندها بالبحث والتحليل، وأن نحاول استخلاص دروسها المستفادة.

لا يملك أي مراقب محايد، حين يستعيد ذكرى حرب 73 بعد 53 عاماً من وقوعها، إنكار حجم الإنجاز العسكري فيها، والاعتراف بأنه ليس من صنع الجيشين المصري والسوري وحدهما، وإنما صنعته أمة عربية تجلت وحدتها في تلك الأيام على أروع ما يكون. فلم يكن بمقدور دول المواجهة إعادة تنظيم صفوف جيوشها المهزومة في حرب 67 من دون الدعم الذي قدّمته الدول العربية التي تملك فوائض مالية كبيرة، ومن دون صفقات السلاح التي مولتها دول عروبية التوجّه والسياسات، في مقدمتها ليبيا والجزائر، ومن دون الاستخدام الفعّال للنفط سلاحاً في المعركة… صحيحٌ أن الفضل الأكبر في الإنجاز يعود إلى الجيوش التي قاتلت في الميدان، ودفعت ضريبة الدم، لكن هذا الإنجاز ما كان له أن يتحقّق من دون وحدة عربية، على المستويين الشعبي والرسمي، لم يسبق لها أن تجلت من قبل بمثل هذا القدر من الوضوح والقدرة على الارتفاع إلى مستوى التحدّيات، ما يدفعنا إلى القول إن ما تحقق في 73 لم يكن مجرّد إنجاز عسكري صنعته جيوشٌ أحسنت الأداء في ميادين القتال، لكنه كان انتصاراً لوحدة أمة صمّمت على إثبات وجودها والتمسّك بهويتها. لذا يمكن القول من دون تجاوز أن السلوك الذي تسبّب في فك أواصر هذه الوحدة هو المسؤول الأول عن تبديد ما تحقق من إنجاز، وأيضاً عن حالة التيه التي دخلها العالم العربي منذ ذلك الوقت وما زال يعاني من آثارها السلبية.

تؤكد الوثائق التي نشرت عن حرب أكتوبر وما تلاها من أحداث كبرى، خصوصاً مؤتمر كامب ديفيد في 1978 تحت رعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر، أن الرئيس أنور السادات قرر شن هذه الحرب لتحقيق هدفين رئيسيين: تحريك عملية التسوية السياسية بأي ثمن، حتى ولو تطلب الأمر إبرام معاهدة سلام منفصلة مع إسرائيل. تطوير العلاقات المصرية الأميركية والارتقاء بها إلى مستوى التحالف، ليس لاعتقاده أن الولايات المتحدة الدولة الوحيدة القادرة على تحقيق التسوية التي ينشدها فحسب، إنما أيضاً لاعتقاده، في الوقت نفسه، أن هذا هو السبيل الوحيد لوضع مصر على طريق التقدّم والاندماج في الاقتصاد العالمي. ولأنهما يتناقضان كلياً مع تراث الحركة الوطنية المصرية في التعامل مع إسرائيل والولايات المتحدة، راح السادات يروّج مقولات مدهشة، من قبيل أن الحاجز النفسي أحد أهم أسباب عدم التوصل إلى تسوية، وأن زيارته القدس ستساعد على إزاحة هذا الحاجز، وأن حرب أكتوبر آخر الحروب لأنها أسقطت نظرية الأمن الإسرائيلي، وأن الولايات المتحدة تملك 99% من أوراق الحل، وبالتالي سيؤدي تقارب مصر معها إلى ممارسة ما يكفي من الضغوط على إسرائيل، للتوصل إلى تسوية شاملة وعادلة… إلخ، وكلها مقولات ثبت بالدليل القاطع أنها غير صحيحة، بل وغير منطقية، بدليل أن التسوية الشاملة لم تتحقق، رغم مرور أكثر من نصف قرن، بل لا يوجد ما يوحي بأنها ستتحقق في المستقبل المنظور، وأن إسرائيل تزداد تعنّتاً وصلافة ووحشية. ومع ذلك يزداد الانحياز الأميركي لها باستمرار، ولا يوجد ما يوحي بأن الولايات المتحدة تستعد لممارسة ضغوط عليها، فضلاً عن أن أزمة مصر الاقتصادية راحت تتفاقم منذ التوقيع على معاهدة السلام.

ليس من الإنصاف تحميل السادات وحده كامل المسؤولية عن حالة الضياع التي وصل إليها العالم العربي، وليست مصر وحدها، فهناك قادة عرب آخرون ارتكبوا أخطاء تسبّبت في كوارث كبرى، منها، مثلاً: شنّ صدّام حسين الحرب على إيران ثم غزوه الكويت، ومشاركة دول عربية في عمليات عسكرية قادها حلف ناتو لإسقاط نظام معمر القذافي عقب اندلاع الثورة الليبية، وتدخل دول الخليج في شؤون سورية الداخلية ورصدهم المليارات من الدولارات لتمويل مليشيات استهدفت إسقاط نظام بشار الأسد، وتطبيع عدة دول عربية علاقتها مع إسرائيل عبر “اتفاقيات إبراهيمية” تنتهك قرارات قمة بيروت العربية التي ربطت التطبيع بقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967. ورغم ذلك كله، يحق لنا أن نتساءل عما إذا كان قرار الدول العربية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع مصر ونقل مقر جامعة الدول العربية إلى تونس، في ردّة فعل انفعالية وغير مدروسة على إبرام مصر معاهدة سلام منفرد مع العدو الصهيوني، السبب الرئيسي في إصابة النظام العربي بحالة من عدم التوازن، بعد أن أصبح بلا قيادة.

ليس من المستبعد أن يستمر الجدل في جدوى”طوفان الأقصى” وتأثيراته المحتملة، ليس على مستقبل القضية الفلسطينية فحسب، وإنما على مجمل الأوضاع في المنطقة أيضاً، غير أن الحكم على هذا الحدث التاريخي استناداً إلى حجم الدمار الذي لحق بقطاع غزّة لن يكون معياراً محايداً أو منصفاً، لأنه سيُفضي تلقائياً إلى إدانة “حماس”، ودمغها بالتهوّر وعدم الإحساس بالمسؤولية، فحركة حماس هي، أولاً وقبل كل شيء، فصيل فلسطيني يحمل السلاح دفاعاً عن أرض فلسطينية يسعى إلى تحريرها من احتلال استيطاني، شأن بقية فصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة، ما يعني أن المبرّر الوحيد لوجوده هو العمل ليل نهار على إلحاق أكبر قدر ممكن من الأذى بالمحتل، وهو ما قام به ونجح فيه بطريقة أذهلت الجميع، ومن ثم يستحق أن يفاخر به لا أن يلام عليه. أما الدمار الذي لحق بالقطاع، بل والجرائم في حق الشعب الفلسطيني كله، فتؤكد مستوى التوحش الذي وصل إليه العدو الصهيوني… صحيح أن الأضرار التي لحقت بالشعب الفلسطيني تبدو غير قابلة للجبر أو التعويض، ومع ذلك ينبغي أن يُؤخذ في الاعتبار أن هذا التوحش أسقط القناع عن العدو الصهيوني، وكشف عن وجهه العنصري والتوسعي والإجرامي أمام رأي عام عالمي، بدأ يتفهم حقيقة القضية الفلسطينية ويتعاطف مع شعبها كما لم يحدث من قبل. وهو عامل ستكون له آثار إيجابية بعيدة المدى على مستقبل القضية الفلسطينية بحجم الآثار السلبية نفسها التي ستلحق بمستقبل المشروع الصهيوني الذي يدرك الجميع أنه لم يعد قابلاً للبقاء وسيقط حتماً آجلاً أو عاجلاً.

ما بين حرب 73 و”طوفان الأقصى” مسافة زمنية مقدارها نصف قرن، أصيب العالم العربي خلالها بقدان البصر والبصيرة، لكنهما حدثان خالدان، أكدا حقيقتين لم يعد بمقدور أحد أن يشكّك في أيٍّ منهما. الأولى: يملك العالم العربي من المقومات الظاهرة والباطنة ما يتيح له تحقيق إنجازات أسطورية، سواء بالاعتماد على الدول والجيوش الرسمية أو على قواه المجتمعية الحية، وذلك في كل مرة تتوافر له إرادة الفعل وحسن التخطيط والإعداد. الثانية: أن إسرائيل هي العدو الوحيد للأمتين العربية والإسلامية الذي يستحق أن تصوّب نحوه كل البنادق، وهو كيان عنصري هشّ، وبالتالي قابل للهزيمة رغم توحشه الظاهر، ولن يدوم استقواؤه بالولايات المتحدة طويلاً، لأن الأخيرة ستجد نفسها مضطرّة، آجلاً أو عاجلاً، إما إلى التخلص من جرثومة لعينة تسري في دمه، أو الفناء معها حين تتمكّن منها وتفقدها كل مقومات مناعتها. أما إذا لم يتمكّن العالم العربي من استيعاب هاتين الحقيقتين، فسيحكم على نفسه بالخروج من التاريخ، وستتكفل قوى أخرى في المنطقة بإنجاز المهمة المقدّسة التي عجز عن حمل أمانتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى