صحافة وآراء

حين يصبح الحليف متغيّراً استراتيجياً: أوروبا أمام إعادة تعريف العلاقة مع واشنطن

العميد بهاء حلّال

لم تعد المسألة الأوروبية ــ الأميركية تُختزل اليوم في سؤال تقليدي من نوع: هل تبقى أوروبا حليفة للولايات المتحدة أم تبتعد عنها؟ فالسؤال الأكثر عمقاً الذي بدأ يتشكل داخل بعض المؤسسات الأوروبية هو: ماذا تفعل دولة أوروبية عندما يصبح سلوك الحليف نفسه عاملاً يجب إدخاله في حسابات الأمن القومي؟

هذه النقلة في التفكير تبدو واضحة في وثيقة عمل داخلية أعدتها وحدة الأميركيتين والكاريبي في وزارة الخارجية البلجيكية في تشرين الأول 2025، وكُشف عنها في أيلول 2026. الوثيقة، وفق ما نقلته Financial Times ومصادر صحافية أخرى، تعتبر أن الولايات المتحدة «لم تعد الحليف الذي كانت عليه في الماضي»، وتدعو إلى إعادة تقييم شاملة للعلاقة بين بلجيكا والاتحاد الأوروبي وواشنطن، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة استمرار التواصل مع إدارة ترامب وعدم تحويل إعادة التموضع إلى مواجهة مع الولايات المتحدة.

كما تدعو إلى تعزيز العلاقات مع الولايات والمدن الأميركية الكبرى، والكونغرس، والقوى السياسية الأميركية المختلفة، بما يقلل من الاعتماد على البيت الأبيض وحده. والأهم أن الخارجية البلجيكية نفسها أوضحت أن النص وثيقة عمل داخلية وليست استراتيجية حكومية معتمدة.

وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية للوثيقة. فهي لا تعلن القطيعة مع واشنطن، بل تكشف عن انتقال في طريقة إدارة التحالف: من الاعتماد على مركز واحد لصناعة القرار الأميركي إلى بناء شبكة أوسع من العلاقات داخل الولايات المتحدة نفسها.

وهذا التحول يمكن فهمه من خلال نظرية الاعتماد المتبادل غير المتكافئ التي طورها روبرت كيوهان و جوزيف ناي. فالتحالفات لا تقوم فقط على المصالح المشتركة، بل أيضاً على درجة اعتماد كل طرف على الآخر، وعلى قدرة أحد الطرفين على تحويل هذا الاعتماد إلى نفوذ. طوال عقود، كانت أوروبا تعتمد بصورة كبيرة على المظلة الأمنية الأميركية، وعلى القدرات الاستخبارية والتكنولوجية والعسكرية والردعية التي توفرها واشنطن. لكن عندما يبدأ الطرف الأوروبي في الاعتقاد بأن الاعتماد المفرط قد يتحول إلى نقطة ضعف، تبدأ عملية البحث عن بدائل، لا بالضرورة لاستبدال الحليف، وإنما لتقليل القدرة التي يمتلكها على الضغط.

وهذا بالضبط ما يمكن قراءته في التوصية البلجيكية بتوسيع العلاقات مع الولايات والمدن الأميركية والكونغرس والحفاظ على قنوات الاتصال مع مختلف التيارات السياسية. إنها محاولة لبناء شبكة أمان استراتيجية داخل الحليف نفسه.

فالولايات المتحدة ليست البيت الأبيض فقط. الولايات المتحدة منظومة اتحادية شديدة التعقيد تضم الكونغرس، والمحاكم، والولايات، والمدن، والشركات الكبرى، والجامعات، ومراكز البحث، والمؤسسات العسكرية والأمنية، والمجتمع الصناعي الدفاعي. وبالتالي، فإن الدولة الأوروبية التي تبني علاقاتها مع واشنطن عبر الإدارة الرئاسية وحدها تصبح أكثر تعرضاً لتقلبات الانتخابات وتغير الرئيس وتبدل الأولويات الاستراتيجية.

من هذه الزاوية، فإن الوثيقة البلجيكية لا تمثل بالضرورة ابتعاداً عن الولايات المتحدة بقدر ما تمثل إعادة توزيع لمخاطر الاعتماد عليها.

وهذا يقودنا إلى مفهوم آخر من العلاقات الدولية، هو التحوط الاستراتيجي Strategic Hedging. الدولة التي تمارس التحوط لا تختار الانحياز الكامل إلى طرف ضد طرف، ولا تقطع تحالفاتها القائمة، وإنما توسع خياراتها بحيث لا تصبح رهينة لمسار واحد. وهذا يفسر العبارة الأكثر أهمية في الوثيقة البلجيكية: تنويع الشراكات أصبح أكثر ضرورة من أي وقت مضى. فالهدف ليس استبدال الولايات المتحدة بالصين أو روسيا، ولا الانتقال من التبعية الأميركية إلى تبعية أخرى، بل زيادة مساحة المناورة الأوروبية.

والواقع أن بلجيكا نفسها بدأت تتحرك ضمن هذا الإطار الأوسع. ففي تموز 2026 نشرت وزارة الخارجية البلجيكية عرضاً لاستراتيجية الأمن القومي المعدلة، شددت فيه على حماية السيادة وزيادة المرونة الوطنية، في عالم وصفته بأنه أصبح أكثر اضطراباً، مع تزايد التنافس بين القوى الكبرى والحرب الهجينة والهجمات السيبرانية والتضليل.

لكن التطور الأكثر حساسية يظهر في الحالة الدنماركية.

فالتقييم السنوي للاستخبارات الدفاعية الدنماركية في كانون الأول 2025 حذّر من تزايد استخدام الولايات المتحدة لقوتها الاقتصادية ومن استعداد متزايد لاستخدام القوة أو التهديد بها لتحقيق أهدافها، في سياق التوتر حول غرينلاند. والأكثر دلالة أن دراسة أكاديمية صادرة عن المعهد الدنماركي للدراسات الدولية عام 2026 أشارت إلى أن الاستخبارات العسكرية الدنماركية صنّفت الولايات المتحدة، للمرة الأولى، كعامل تهديد للمملكة في سياق استمرار الضغوط الأميركية المتعلقة بغرينلاند.

وهنا نصل إلى نقطة بالغة الأهمية في التفكير الاستراتيجي: الخطر لا يُقاس دائماً بنية الخصم، بل بقدرته وسلوكه وتأثيره المحتمل على المصالح الحيوية للدولة.

فالدنمارك لا تحتاج إلى اعتبار الولايات المتحدة «عدواً» حتى تعيد تقييم بعض مخاطرها. يكفي أن يصبح هناك تضارب محتمل بين مصالحها السيادية وبين خيارات القوة العظمى التي ترتبط معها بتحالف عسكري. وهذه هي إحدى أكثر المعضلات تعقيداً في العلاقات الدولية: ماذا يحدث عندما يصبح الحليف نفسه مصدراً محتملاً لبعض المخاطر التي يجب على الدولة أن تتحوط منها؟

أما النمسا، فينبغي التعامل مع الادعاء المتداول بحذر. فقد أظهرت استطلاعات عام 2026 ارتفاعاً كبيراً في نظرة الرأي العام النمساوي إلى الولايات المتحدة باعتبارها عاملاً مقلقاً للاستقرار الدولي، وازدياد التأييد لاستقلال أوروبي أكبر عن واشنطن. لكن ذلك لا يساوي، من الناحية الاستخبارية، إعلاناً رسمياً بأن الولايات المتحدة «خطر على الأمن القومي النمساوي». بل إن الحكومة النمساوية والولايات المتحدة أصدرتا في كانون الأول 2025 بياناً مشتركاً يؤكد استمرار الشراكة الاستراتيجية بينهما.

وهذا التفريق مهم جداً أكاديمياً واستراتيجياً، لأن تحول الرأي العام لا يساوي تحول العقيدة الأمنية، والقلق السياسي لا يساوي تصنيفاً استخبارياً للتهديد.
مع ذلك، فإن الصورة العامة لا يمكن تجاهلها.

الاتحاد الأوروبي نفسه بدأ يربط بين الحفاظ على الشراكة الأطلسية وبين ضرورة بناء قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي. وفي وثيقة أوروبية حديثة، أُعيد التأكيد على أن الشراكة عبر الأطلسي مع الولايات المتحدة وكندا ما زالت في صلب الأمن الأوروبي، لكن في الوقت نفسه جرى التشديد على تقليل الاعتماد، وتنويع الشراكات، وتعزيز القدرات الأوروبية في الأمن والدفاع والتكنولوجيا، وصولاً إلى بناء ركيزة أوروبية أقوى داخل حلف الناتو. كما وصفت الوثيقة التحول الأميركي بأنه أكثر «تعاملاً» وأقل التزاماً بالتعددية.

وهذا يفتح الباب أمام قراءة أعمق من مجرد الخلاف مع إدارة ترامب.

ما يحدث هو انتقال تدريجي من مفهوم التحالف القائم على الثقة إلى مفهوم التحالف القائم على إدارة المخاطر.

في المرحلة السابقة، كانت أوروبا تنظر إلى الولايات المتحدة بوصفها الركيزة الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها في منظومة الأمن الغربي. أما اليوم، فإن بعض العواصم الأوروبية بدأت تضيف إلى هذه المعادلة سؤالاً جديداً: ماذا لو تغيرت أولويات واشنطن بصورة جذرية؟ ماذا لو أصبحت المصالح الأميركية أقل تطابقاً مع المصالح الأوروبية؟ ماذا لو تحولت العلاقات داخل الغرب من علاقة استراتيجية طويلة الأمد إلى علاقة تفاوضية تقوم على المقابل والثمن والصفقة؟

هنا تظهر أهمية نظرية المعضلة الأمنية، ولكن بصورة معكوسة. فقد اعتادت النظرية على تفسير كيف يمكن لإجراءات دولة لتعزيز أمنها أن تجعل الدول الأخرى تشعر بالتهديد، فترد بإجراءات مقابلة. أما في الحالة الأطلسية الحالية، فإن زيادة القوة الأوروبية المستقلة في الدفاع والتكنولوجيا والطاقة والاستخبارات قد تكون في نظر الأوروبيين وسيلة لتقليل هشاشتهم، لكنها قد تُقرأ في واشنطن باعتبارها محاولة لفك الارتباط الأميركي بأوروبا.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة قد تشهد مفارقة استراتيجية: كلما أرادت أوروبا الحفاظ على التحالف الأطلسي، قد تجد نفسها مضطرة إلى أن تصبح أقل اعتماداً على الولايات المتحدة.

وهذه ليست دعوة إلى تفكيك الناتو، بل ربما العكس تماماً. فالاتحاد الأوروبي، وفق المسار الذي يظهر في الوثائق الأوروبية، لا يطرح الاستقلال الاستراتيجي بديلاً عن الناتو، بل يريد أن يمتلك قدرة أوروبية أكبر داخل الناتو نفسه. وهذا فارق جوهري بين «الاستقلال عن الولايات المتحدة» و«القدرة على العمل دون الاعتماد الكامل عليها».

من هنا تصبح الوثيقة البلجيكية أكثر من مجرد تسريب دبلوماسي.

إنها تعكس تحولاً في عقيدة الاتصال الاستراتيجي الأوروبية بواشنطن. لم يعد المطلوب أن تتحدث أوروبا مع «أميركا واحدة»، بل مع أميركا متعددة المراكز. واشنطن مهمة، ولكن نيويورك مهمة، والكونغرس مهم، والولايات الكبرى مهمة، ومراكز التكنولوجيا والاقتصاد والجامعات ومؤسسات الدفاع مهمة. وبذلك تنتقل الدبلوماسية من علاقة رأس برأس إلى دبلوماسية شبكية.

وهذا التحول قد يكون أحد أهم ملامح النظام الدولي الجديد: الدول المتوسطة والصغيرة لم تعد تستطيع حماية مصالحها من خلال الاعتماد على قوة عظمى واحدة، بل تحتاج إلى بناء شبكة من العلاقات المتقاطعة تسمح لها بالمناورة عندما تتغير موازين القوة.

بالنسبة إلى أوروبا، المسألة ليست اختيار واشنطن أو بكين أو موسكو. المسألة هي امتلاك القدرة على الاختيار أصلاً.

وهنا يكمن جوهر التحول الاستراتيجي.

فالسيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تعني فقط امتلاك الأرض والحدود والقوات المسلحة؛ إنها تعني أيضاً القدرة على منع طرف آخر من تحويل اعتمادك الاقتصادي أو العسكري أو التكنولوجي أو الاستخباري إلى وسيلة ضغط عليك.

ولذلك فإن أخطر ما في الوثيقة البلجيكية ليس العبارة التي تقول إن أميركا لم تعد الحليف الذي كانت عليه، بل الفكرة الكامنة خلفها: أن الحلفاء أنفسهم أصبحوا جزءاً من عملية تقييم المخاطر، وأن الحفاظ على التحالف لم يعد يعني إلغاء التحوط تجاه الحليف.

إذا استمر هذا الاتجاه، فقد تكون أوروبا أمام مرحلة جديدة من تاريخ الأطلسي: لا قطيعة مع الولايات المتحدة، ولا تبعية كما في العقود السابقة، بل شراكة أكثر براغماتية، وقدرة أوروبية أكبر، وشبكة مصالح أوسع، وتحالف عسكري يستمر ولكن على أساس أكثر توازناً.

وفي ميزان الاستراتيجية، هذه ليست نهاية التحالف الغربي؛ إنها محاولة لإعادة تعريف شروط بقائه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى