
كيف يمكن فهم الاستجابة الروسية لطلب الرئيس الأميركي بتزويد الأسواق الأميركية والعالمية بخمسة ملايين طن من وقود الديزل. فهذه الخطوة لا تلتقي مع السياسة الأميركية في حظر استيراد الوقود الروسي إلى الولايات المتحدة الأميركية. كما أنها مبدئيا تعيق الضغط الايراني على مضيق هرمز وسياسة ايران بحصار الحصار. واستطرادا هي مؤشّر أميركي على إطلاق يد روسيا عسكريا في أوكرانيا أو دفعها للقبول بالشروط الروسية مع إحراج كامل للدول الأوروبية التي تعتبر أوكرانيا خط الدفاع الأول عنها.
الإتفاق الأميركي الروسي على تزويد موسكو بوقود الديزل للأسواق العالمية جاء بعد اتصال تليفوني من الرئيس دونالد ترامب بالرئيس فلاديمير بوتين. وجاء لاحقا لاتفاقات أجراها مسؤولون أمنيون من دول الناتو مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وأبدت واشنطن تحفّظات مسبقة عليها على لسان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الذي رأى في هذه الاتفاقات الأمنية-العسكرية-المعلوماتية عنصر تفجير اقليمي واسع.
وفي معلومات من مصادر أوروبية ديبلوماسية غربيّة أن الاتصال التليفوني من الرئيس ترامب إلى الرئيس بوتين أشار إلى دور روسي في معالجة أمرين: مضيق هرمز والبرنامج النووي الايراني. أي إلى شراكة الرئيس بوتين في إنتاج ’’حل سلمي‘‘ للتوتر الأميركي-الايراني. وهكذا كان هناك ’’اختبار روسي‘‘ لما يمكن أن تقبل به ايران وما ترفضه في اتصال مباشر من الرئيس فلاديمير بوتين بالرئيس مسعود بزشكيان. وسبق هذا الاتصال لقاءات بين مسؤولين روس وايرانيين على تحقيق تعاون اقتصادي بين موسكو وطهران عبر بحر قزوين بحيث تؤمّن روسيا الاحتياجات الأساسية الايرانية من ضمن معادلة ’’التداخل‘‘ بين الحربين الروسية-الأوكرانية والأميركية-الايرانية.
الرئيس مسعود بزشكيان أكّد للرئيس بوتين بأن ايران تريد الحوار وترغب في حل سلمي مع استبعاد للضغوط الاقتصادية والحصار البحري والتهديد بالإبادة. وهي مع فتح المضيق بشروط معيّنة ومع حوار في العمق حول البرنامج النووي. وإنما هي تتمسك بامتلاك القدرة النووية لأغراض مدنية سلميّة.
لا شك أن هناك تلاقٍ بين واشنطن وموسكو وحتى بكين على عدم امتلاك ايران لسلاح نووي. وايران حول هذه المسألة لا تمانع استنادا لمعادلة ’’تحريم السلاح النووي‘‘ الذي أجراه المرجع الأعلى السيد علي خامنئي والذي لا يمكن أن تخالفه أي جهة في المستويين السياسي والعسكري الايراني. ومسألة ’’السلاح النووي‘‘ كان قد كتب عنها بوضوح وزير الخارجية الايراني الدكتور عباس عراقجي في كتابه ’’قوة التفاوض‘‘ بتعبير ملفت: ’’صفر قنبلة نووية وإنما تخصيب لليورانيوم لأغراض مدنية‘‘. وهي معادلة ترتكز إلى ’’نعم وإنما‘‘.
الثابت حاليا أن الشراكة الروسية بالوساطة بين واشنطن وطهران قطعت الطريق على ’’خيار عسكري‘‘ لحرب أميركية تمتد إلى 72 ساعة على ايران. حيث كان الرئيس الأميركي مترددا حول هذا ’’الخيار‘‘ الذي علمت به أكثر من جهة ديبلوماسية وأبلغت سفاراتها به في لبنان. إنما هذا الدور الروسي لا يناسب رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو وحكومته. ومع ذلك لا يستطيع أن يعطّله في مرحلة التحضير لانتخابات اسرائيلية حاسمة لأن من نتائج ذلك أن تقول موسكو ’’لا لنتنياهو حتما في الانتخابات‘‘. خصوصا وأنها تملك وزنا لا يُستهان به في الجالية اليهودية الروسية بالدولة العبرية. و’’لا لنتنياهو روسيّا‘‘ يستدرج الأمر إلى واقع جديد ’’لا لنتنياهو أميركيا‘‘. إذ ليس من قبيل المصادفة أن يخاطب دنيس روس العالم بالديبلوماسية الأميركية وبالروحيّة الصهيونية وهو الذراع الفكري للايباك حكومة اليمين الاسرائيلي ويقول ’’أنتم تخسرون أميركا وخسارتها تهديد وجودي لاسرائيل. وبصفتنا من أولئك الذين كرّسوا حياتهم المهنية لتعزيز العلاقات الأميركية-الاسرائيلية وتطوير علاقات اسرائيل مع جيرانها العرب. فنحن مندهشون من قلة الاهتمام بالتحوّل غير المسبوق إطلاقا في موقف الرأي العام الأميركي تجاه اسرائيل. وهذا ليس اتجاها عابرا يمكن عكسه بسهولة بل هو تحدّي استراتيجي بالغ الأهمية. ولا ينبغي النظر إلى فقدان الدعم الأميركي من منظور المساعدات المالية فقط مهما بلغت أهميتها بل كذلك السياسي والعسكري‘‘.
أما الخاسر الأكبر من صداقات الود بين ترامب وبوتين فهو الرئيس الأوكراني زيلينسكي ومعه دول أوروبية. وهذا هو استنتاج مركز بابل للدراسات المستقبلية الذي أورد تعليقا للرئيس الأوكراني هاجم فيه سيد البيت الأبيض جاء فيه ’’إن أي تخفيف للعقوبات المفروضة على روسيا دون اتفاق واضح ومستدام لخفض التوترات معها هو تعبير واضح عن الضعف. فمثل هذه الخطوة تخدم مصالح روسيا وتسمح لها بقتل المزيد وشن حرب أطول وتشويه سمعة أميركا أكثر وإلحاق خسائر وأضرار أكبر بالعالم…‘‘.
ختاما الحرب الأميركية-الايرانية فتحت الباب أمام تعددية قطبية وأمام أدوار اقليمية بما فيها دور ايران في محيطها كما أنها المدخل لاحقا لشراكات أميركية-ايرانية اقتصادية وسياسية. وقد يتأخر هذا الأمر قليلا غير أنه حاصل حتما.




