صحافة وآراء

رأس الحربة الأوروبية تُصعِّد وتحرض للحرب ضد روسيا.. وموسكو تحذر من خطوات جنونية قد تسفر عن فناء العالم

د. أيمن أبو الشعر

فليعترف القادة الغربيون لشعوبهم أنهم يقامرون بمصيرهم، وقد يقودونهم إلى الفناء والموت، حيث لا مزيد فليس هناك فعل “أمْوَت” بمعنى أكثر موتا


ليس هناك موقف أوروبي موحد تماما في واقع الأمر تجاه أوكرانيا، ولكن الثالوث “الحربجي” يتمكن بين حين وآخر جرَّ معظم دول الاتحاد الأوروبي إلى مواقفه المتشنجة في دعم أوكرانيا واستعداء روسيا، والمقصود هنا بريطانيا وفرنسا وألمانيا والدول الأكثر حماسا لتوجهاتهم تُعدُّ على الأصابع لكنها ليس ذات شأن عسكري كبير، وحين تتحدث عن المواجهة سرعان ما تتكئ على الناتو من أمثال بولونيا ودول البلطيق، وكل هؤلاء ينضوون تحت جناح الصقور” مع ملاحظة أن بولونيا ودول البلطيق تتخذ مواقفها نتيجة الإرث التاريخي كونها كانت في فلك الاتحاد السوفييتي” ، حتى أن التقييمات الموضوعية تجعل من سلوفاكيا وهنغاريا  في مرتبة قريبة نسبيا من المعارضة لتلك التوجهات،  وبدافع اقتصادي بالدرجة الأولى وخاصة احتياجاتهما للطاقة الروسية حتى أنهما تعارضان استمرار تمويل المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وتدعوان إلى وقف إطلاق النار واللجوء إلى المفاوضات،، أما جنوب أوروبا وخاصة إيطاليا وإسبانيا واليونان، فهي حتما أقل تشنجا وتودُّ لو يتم الاتجاه نحو الحلول الدبلوماسية لطنها عموما تتماشى مع القرارات الجماعية بمعنى أن مواقفها تأتي نتيجة عطالة قوة الدفع الرئيسية وتتماشى عمليا مع مواقف الرؤوس.

رأس حربة لن يهدأ له بال

حين نشبه معسكر الصقور وخاصة الثلاثي الفرنسي الألماني البريطاني برأس حربة، فهذا التشبيه ليس اعتباطيا، إذ لكل تكوين خواصه الكنهية المميزة، وأهم خاصية لرأس الحربة هي الطعان وإثارة الصدامات وتهيئة الأجواء للقتال المباشر، وهذا ما يفعله هذا الثلاثي بما في ذلك تهيئة الأرضية اللازمة للاقتتال  وتوسيعها بما في ذلك شد الدول غير المتحمسة للقتال، ودفعها لتصعيد التوتر مع موسكو، وخير مثال على ذلك دفع هنغاريا لاستعداء موسكو مؤخرا بطرد عشرة من الدبلوماسيين الروس من بوخارست الأمر الذي أدى بالضرورة إلى الرد بالمثل وطرد عشرة دبلوماسيين هنغاريين من روسيا، ويكفي أن نشير إلى أن العلاقات بين موسكو وبودابست كانت جيدة وشبه ممتازة إبان مرحلة حكومة أوربان السابقة، حيث بدأ العمل على دفع العلاقات مع موسكو  إلى التردي منذ فوز الحكومة الجديدة برئاسة بييتر ماغيار، هذا رغم أن هنغاريا بحاجة ماسة للطاقة الروسية،  وهذا يقودنا إلى أن دول رأس الحربة تتبنى الموقف الأوكراني حتى دون تفكير،  وفق مصطلح ” ملكيون أكثر من الملك نفسه” فعدد هائل من العقوبات الأوربية تتزايد بين حين وآخر على روسيا، إلى جانب إجراءات الحصار بما في ذلك الإجراءات التي تضر أوروبا نفسها أكثر من روسيا، فقد أعلنت أورسولا فون دير لاين مفوضة الاتحاد الأوروبي في كلمتها أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ أن الاتحاد سيوقف استيراد الغاز الروسي ويوصله إلى الصفر والوقف الكامل لاستيراده بحلول نهاية العام المقبل، ألا يوحي ذلك بأن هنغاريا دُفِعت قصدا لخطوة طرد الدبلوماسيين الروس تمهيدا لدفعها إلى الاستغناء عن الغاز الروسي حتى نهاية العام القادم.

مفارقة ملفتة للنظر

في غضون ذلك يلاحظ تصاعد جميع الأعمال والإجراءات العدائية من رأس الحربة في معسكر الصقور،الأمر الذي تجلى بوضوح أكبر إبان زيارة المستشار الألماني ميرتس إلى كييف وإغداقه بالدعم العسكري بما في ذلك الإنتاج المشترك للمسيرات المتطورة،  ناهيك عن منح بريطانيا صواريخ ستوروم شادو ومسيرات نيان لضرب العمق الروسي، واستكملت فرنسا حلقة الضغط بتجربة صاروخ نووي مطور من الغواصة النووية الاستراتيجية لو فيجيلان واعتبر ماكرون أن ذلك يجعل فرنسا قوية مخيفة، ورأت الدفاع الفرنسية أن التجربة تظهر الحلول المتقدمة الفرنسية في مجال الردع النووي، كل ذلك دفع بيسكوف الناطق باسم الكرملين إلى أن يعتبر أن الاتحاد الأوربي  بات مهووسا بالتسلح وتحويل هذا التكتل الاقتصادي إلى تكتل عسكري وسياسي، بل وأن الاتحاد الأوربي يصوع سياسته على أساس المواجهة مع روسيا،  لكنه أضاف أن روسيا تتخذ الإجراءات الأمنية اللازمة، المفارقة هي أن بعض القادة الأوربيين الداعين إلى عسكرة أوروبا راحوا بين حين وآخر يعبرون عن سأمهم من إطالة أمد الحرب، وذلك في الواقع يعكس مشاعر القسم الأكبر من الشعوب الأوروبية وبالتالي تكون بعض التعابير الطارئة تماشيا أو تفاعلا مع هذه النزعات حتى ان روته أمين عام الناتو أقر في معرض رده على سؤال حول ظاهرة السأم من النزاع في أوكرانيا بأن إطالة أمد الصراع يلقي بالفعل بظلاله على الدول الغربية، بل إن ميرتس نفسه دعا إلى حل دبلوماسي للنزاع في أوكرانيا رغم تمسكة بتسليحها، واعتبرت صحيفة وول ستريت جورنال أن تزايد دعوة السياسيين الأوربيين إلى تسوية سلمية في أوكرانيا يشير إلى تصاعد ملل المواطنين في بلدانهم من هذا النزاع الذي يستنزف مدخراتهم، حتى أن نيبينزا مندوب روسيا الدائم في الأمم المتحدة أعلن بوضوح أنه من الواضح أن ممولي كييف قد سئموا من الملف الأوكراني واستمرار دعمهم هو من باب أداء الواجب ليس إلا.

هذا ناهيك عن أن التحذير الروسي الحاسم الذي جاء على لسان الرئيس الروسي نفسه حين تطاول البعض بمحاولة إظهار القوة وحتى التلويح بأن مفارقة القوة “العددية والسلاح التقليدي” سيجعل النصر حسب هذه الأطروحات حليف الناتو حيث أوضح بهدوء ولكن بحسم مطلق أن روسيا في حال الصراع ستستخدم كل ما لديها من الأسلحة، والأمر لا يحتاج إلى الكثير من الذكاء لفهم أن الحرب عندها ستكون نووية، والسؤال هل اعترف القادة الغربيون لشعوبهم أنهم يقامرون ويغامرون بمصيرهم ، وأن بعض المفاهيم لا تخضع للاستزادة وخاصة الموت والفناء، إذ لا معنى لقولك مات كثيرا أو فني بشكل كبير تماما كمفهوم اللانهاية أو اللابداية، إذ ليس هناك نقطة أبعد منهما في إمكانية استيعاب العقول البشرية، وليس هناك فعل “أمْوَت”  على وزن أفعل بمعنى أكثر موتا!!! 

هل تقامر أمريكا بالانجرار إلى صدام مع روسيا؟

يبقى السؤال الأهم خاصة مع انتهاء فترة بايدن التي أوحت بأن واشنطن وفق أطروحات الإدارة الأمريكية آنذاك كانت مستعدة للسير حتى النهاية في الصراع ضد روسيا بما في ذلك احتمال الصدام المباشر، طبعا ما من إدارة مسؤولة يمكن أن تفكر بخوض صراع يقود إلى فناء البشرية، ولكن إدارة بايدن كانت أكثر حماسا وأكثر تصريحات نارية، وأعدت منذ ما قبل الانتخابات فخا بسيكولوجيا حساسا من خلال حملة إعلامية صورت ترامب بأنه يتعاطف جدا مع روسيا، بل يكاد يكون عميلا لموسكو ما دفع ترامب لاتخاذ خطوات سريعة ضد روسيا، لكنه بعد أن استتب الأمر له تماما بات يطرح بوضوح أن بايدن أشعل الحرب في أوكرانيا وراح يغذيها ضد روسيا ووصفها بأنها حرب بايدن، وبغض النظر عن شخصية ترامب الإشكالية بحد ذاتها إلا أنه في نهاية المطاف تاجر يهمه الربح والصفقات، ومن هنا نرى أنه لا يزال يجمد القانون الذي اقترحه ليندسي غراهام بفرض عقوبات متشددة جدا على روسيا، والذي يستهدف قطاعي الدفاع والطاقة وأسطول الظل من خلال منح الرئيس ترامب صلاحيات واسعة في هذا المجال لم يستخدمها حتى الآن، والأرجح أنه لن يستخدمها قريبا، وإن اضطر لاستخدامها فسيكون بشكل جزئي، فهو يعرف تماما أن مثل هذا التوجه سيعني بالضرورة الصدام التناحري مع الصين التي تعتبر المستورد الأكبر لمصادر الطاقة الروسية.

من جهة ثانية يسعى ترامب جاهدا منذ الآن إلى إنجاح مشروع الحل السلمي واضعا نصب عينيه الصفقات والمشاريع المفيدة ربحيا للولايات المتحدة مع روسيا.

عموما يمكن القول بثقة – نسبية- أن ترامب يكبح جماح المتسرعين وإن أرضاهم بتوقيعه على قانون ما يسمى بالعقوبات الجهنمية غير المنطقية ضد روسيا والتي تصل حتى إلى فرض رسوما جمركية بنسبة 500% على الصادرات الروسية ناهيك عن محاربة من يتعامل مع روسيا، إلا أنه وضع هذا القانون  في الدرج ليغفو، فالولايات المتحدة لا تزال بحاجة إلى الكثير من المنتجات الروسية كاليورانيوم المخصب، والأسمدة النتروجينية، والمعادن النادرة كالبلاتين  والبالاديوم والروديوم، والكيماويات والمواد الخام وغيرها،  وبالتالي فإن ترامب كما هو واضح بحاجة إلى فرض العقوبات على روسيا ولكن لا تنفيذها.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى