صحافة وآراء

رسالة من الماضي: مراهقو بابل وتذمر لا يعترف بالزمن

ناريمان عمار

في مدينة لارسا القديمة، الواقعة في جنوب العراق الحالي، وقبل نحو أربعة آلاف عام، وتحديداً في أوائل القرن الثامن عشر قبل الميلاد خلال عهد الملك حمورابي (حوالي 1792–1750 ق.م)، لم يكن الشاب البابلي إيدين-سين مشغولاً بالسياسة ولا بتوسيع الإمبراطورية البابلية الأولى، بل كان غاضباً بشدة من خزانة ملابسه .

ترك لنا هذا الشاب لوحاً طينياً بالخط المسماري يُعرف اليوم بالتسمية الفنية TCL 18 111، وهو محفوظ حالياً في متحف اللوفر في باريس . يُعد هذا اللوح من أطرف الوثائق التاريخية وأكثرها إنسانية، إذ ينقلنا من قصص الملوك والحروب الكبرى إلى التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية في بلاد الرافدين .

من هو إيدين-سين؟ ومن هي زينو؟

ينتمي إيدين-سين إلى الطبقة العليا في لارسا؛ فقد كان والده شمش-هازير مسؤولاً رفيع المستوى في الإدارة المحلية، وكما جرت العادة في ذلك الزمن، أُرسل الابن ليعيش بعيداً عن المنزل، إما في مدرسة داخلية للكتبة (الـ إيدوبا) أو للعمل في مدينة أخرى، حيث كان يتعلم القراءة والكتابة بالخط المسماري استعداداً لمهنة موظف أو كاهن أو كاتب .

أما والدته زينو، فهي سيدة تدير شؤون المنزل، وكانت — كما تكشف الرسالة — مسؤولة عن صناعة ملابس أسرتها من الصوف؛ وهو عمل شاق يتضمن الغزل والنسج والصباغة والخياطة، وقد يستغرق ثلاثة أشهر للثوب العادي، وقد يمتد إلى سنة كاملة للملابس عالية الجودة . وهناك احتمال قوي أن زينو لم تكن تعرف القراءة، إذ إن افتتاحية الرسالة «أخبري السيدة زينو» تشير إلى أن الكاتب كان يقرأها بصوت عالٍ عند وصولها .

الرسالة، كما ترجمها عالم الآشوريات أ. ليو أوبنهايم عام 1967، تبدأ بتحية رسمية محترمة ثم تتحول سريعاً إلى سلسلة من العتاب اللاذع :

أخبري السيدة زينو: إيدين-سين يرسل الرسالة التالية: لتحفظك الآلهة شماش ومردوخ وإيلابرات بصحة جيدة إلى الأبد من أجلي.

من سنة إلى أخرى، تتحسن ملابس الشبان هنا، بينما تتركين ملابسي تزداد سوءاً عاماً بعد عام. في الواقع، واصلتِ صنع ملابسي لتكون أسوأ وأكثر ندرة. وفي وقت يُستخدم فيه الصوف في منزلنا كما يُستهلك الخبز، صنعتِ لي ملابس رديئة.

ابن أداد-إيدينام، الذي يعمل والده فقط مساعداً لوالدي، لديه مجموعتان جديدتان من الملابس، بينما أنتِ تتذمرين حتى بشأن مجموعة واحدة من الملابس لي.

على الرغم من أنكِ أنجبتني ووالدته تبنته فقط، والدته تحبه، بينما أنتِ، لا تحبيني!

بعيداً عن الجانب الطريف، يحمل هذا اللوح قيمة تاريخية هائلة تتجاوز مجرد شكوى مراهق،

ينقلنا النص من سجلات الملوك إلى التفاصيل الحميمة للعائلة البابلية: علاقة الأم بالابن، مسؤوليات الرجال والنساء، وطبيعة الحياة في مدارس الكتبة . كما يكشف أن الطبقات العليا كانت تهتم بالمظهر الخارجي كمؤشر على المكانة الاجتماعية، تماماً كما هو الحال اليوم؛ فقد كان إيدين-سين يشعر بالإهانة لأنه، كابن مسؤول رفيع، يظهر بملابس أقل جودة من ابن مجرد «”مساعد” لوالده .

يوضح اللوح أن صناعة الملابس يدوياً في المنازل، وخاصة غزل الصوف، كانت مسؤولية أساسية للأمهات في بلاد الرافدين. ويشير النص إلى أن الصوف كان يُستخدم في منزلهم «كما يُستهلك الخبز»، مما يدل على توفر المواد الخام بكميات كبيرة لكن مع تباين في توزيعها وتصنيعها.

كما تشير الوثائق التاريخية إلى أن النسيج كان يُستخدم كمعيار للجودة والرفاهية، ففي العهد البابلي القديم، كانت بعض الثياب تُعدّ سلعاً فاخرة تُتبادل كهدايا بين الملوك. ويذكر الكتاب المقدس “ثوباً من شنعار” (اسم بابل) كوصف لثوب جميل من غنائم أريحا، مما يؤكد أن الأثواب البابلية كانت رمزاً للرقي .

تكشف مصادر تاريخية أن غزل الصوف لم يكن نشاطاً منزلياً فحسب، بل كان مهنة منظمة أيضاً. ففي المعابد البابلية الجديدة كانت الأرامل يعملن في النسيج، وكان يُسلّم الصوف إلى المنازل لإتمام العمل فيه، كما تظهر الرياضيات المدرسية في العهد البابلي القديم مسائل حول حساب الوقت اللازم لنسج قطعة قماش، إذ يحتاج النسّاج عادة إلى ثلث ذراع يومياً، مما يعني أن ثوباً بطول 48 ذراعاً يستغرق 144 يوماً للنسج فقط .

تكمن متعة هذه الوثيقة في المفارقة الزمنية: شاب عمره آلاف السنين، يكتب بخط مسماري معقد، لكنه يشتكي من شيء يعرفه كل مراهق في التاريخ — «ملابسي أسوأ من ملابس أصدقائي، وأنت لا تحبينني». إنها صرخة إنسانية خالصة تختصر أربعة آلاف عام من التاريخ في جملة واحدة، لتذكرنا بأن بعض الأشياء — كالرغبة في التقدير، والخوف من الوصم الاجتماعي، والتعقيدات العاطفية بين الأمهات والأبناء — لا يعترف بها الزمن.

ولا نعرف كيف انتهت القصة؛ هل أرسلت زينو ثياباً جديدة؟ هل غضبت من رسالة ابنها؟ ربما ضحكت. لكن ما نعرفه أن هذا اللوح الطيني الصغير، الذي كُتب على وجهي اللوح وحوافه لأنه لم يجد مساحة كافية ، نجح في تحدي النسيان أكثر من كثير من نقوش الملوك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى