صحافة وآراء

صرعة “البودكاست”!

د. أيمن بدر كريّم

تبْدو “مَوْضةُ البودكاست” اليوم، بما تُفْرِزُه من مُقَدِّمينَ وضُيُوفٍ ومَوْضوعاتٍ، علامةً على مرحلةٍ مُلْتَبِسةٍ في الإعلامِ الحديث في مُجتمعاتٍ مُختلفةٍ؛ مرحلةٍ يَتجاوَرُ فيها الانفِتاحُ على الآخَر مع فَوْضى المنصّاتِ الرَّقْمية، ويَخْتَلِطُ فيها حَماسُ التَّعبيرِ عن الرأي بغيابِ المَعاييرِ والضَّوابط.

هذه الظاهرةُ لا ينبغي أن تُسْتَقبَلَ بوَصْفِها مجردَ وسيلةٍ جديدة؛ ففي كثيرٍ من تجلّياتِها تُشْبِهُ أحاديثَ لا يُعْرَفُ سندُها ولا مرجعيّتها، أو شَرابًا لذيذًا كثيرَ الإثم!، قد يكونُ ضررُه على العقلِ والذّائقةِ أكبرَ من نفعِه، إنْ كانَ له نفعٌ يُذْكَر.

انتشَرتِ “البودكاستاتُ” في مجتمعاتٍ كانت حديثةَ عَهْدٍ بأحاديةِ الفِكْرِ والانغلاقِ عن الحوار، ثم فُتِحَ لها بابُ الكلامِ بلا كوابحَ ولا مسؤوليّة. تَنوَّعَتِ العناوينُ، وتكاثَرَتِ الحَلَقاتُ، وتنافَسَ أصحابُها على استِقْطابِ جمهورٍ عَطِشٍ للحدِيث، لكنَّ الغالِبَ لم يكنْ تأسيسَ ثقافةِ حوارٍ رَصين، بل تكريسَ نَمَطٍ جديدٍ من التسليةِ المُتزيّنةِ بِلِباسِ المَعرفة. وفي ظلِّ هذا الانفِلات، صارَ من الواضحِ غيابُ معاييرَ مِهَنيةٍ وثقافيةٍ حقيقيةٍ تَحكُمُ اختيارَ كثيرٍ من المُقَدِّمينَ والضيوف؛ فتظهرُ حواراتٌ تتعثّرُ لُغويًّا ومَنْهجيًّا وثقافيًّا، وتقدِّمُ الرأيَ الشخصيَّ والتجربةَ الذاتيةَ قوانينَ عامّةً للعلاقاتِ والحيَاة.

الأخطرُ أنَّ بعضَ المُؤَدْلَجينَ ومُحترفي إثارةِ الجدلِ اسْتَغَلّوا هذا الفضاء، فتسلّلوا إليه تحتَ عناوينَ مثل: الاستشاراتِ الزّوجية، إصلاحِ العَلاقات، التّنميةِ الذاتية، والطاقةِ الإيجابية، فصَنَعوا خليطًا هجينًا يَجْمَعُ شيئًا مِن علمِ النّفسِ الشّعبي، وشيئًا من الدِّينِ الانتِقائي، ووعظًا سطحيًّا، وكلاما اعتباطيًّا، وأضافوا إليه مُصطلحاتٍ هُلاميةً فاخرة؛ فمرّروا ثقافاتٍ قديمةً رجعيةً وتعصّباتٍ مُغلقة، ولكنْ في هيئةٍ عصريةٍ جذّابة، وبألفاظٍ جديدةٍ مُلْتوية.

كثيرٌ من هذه الخطاباتِ لا يَسْتَنِدُ إلى اعتبارٍ علميٍّ مُثبَت، ولا إلى معيارٍ أخلاقيٍّ سلوكيٍّ واضحٍ، بل إلى مَزيجٍ من الشّعاراتِ والعواطفِ يَنْطَلي على من لم يَتدرّبْ على التفريقِ بين المعلومةِ والرأي. وهكذا تتحوّلُ “البودكاستاتُ”، في صُوَرٍ واسعةِ الانتشار، إلى جلسَاتِ “سواليف” وحكاياتٍ شعبيةٍ وسيرٍ شخصيةٍ تُقدَّمُ كأنّها معرِفة، بينَما هيَ أحاديثُ ارتجاليّةٌ تفتقرُ إلى الانضباطِ العِلمي.

إنَّ الإعلامَ الجديدَ، مهما بدا بريئًا وعفويًّا، يحتاجُ إلى ضوابطَ مِهَنيةٍ وأخلاقيّةٍ، وإلى وعيٍ نقْديٍّ لدى المتلقّي لا يقلُّ أهميةً عن وعيِ مُقدِّمِ المُحتوى؛ وإلّا تحوّلتِ المنصّاتُ من فضاءٍ للحوارِ والتثقِيف، إلى مصانعَ لإعادةِ إنتاجِ الجهلِ في قوالبَ ملوّنةٍ لامِعة.

المَهزلةُ أنَّ بعضَ هذه “البودكاستاتِ” لا تكتفي بإضاعةِ الوقت، بل تُشاركُ في تجهيلِ شرائحَ من المجتمع؛ إذ تُعطي المُستمِعَ شعورًا زائفًا بأنّه يَتعلّمُ ويتطوّر، بينَما هو يَنْغمسُ في سطحياتٍ تُضعِفُ قدرتَه على التمييزِ بين الرأيِ والبُرهان، فيزدادُ جهلًا وابتذالًا تحتَ وهمِ المَعرفة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى