
قبل أن تتضح أعداد المشاركين في تظاهرات الخامس والعشرين من تشرين الأول، وقبل أن تبدأ القراءات المتنافسة في تقدير حجمها ودلالاتها، ثمة مسؤولية ينبغي تثبيتها: أن يتمكن المواطن من التعبير السلمي عن اعتراضه، وأن يجد في مؤسسات الدولة من يصغي إليه ويجيبه. فقيمة الحق في التظاهر لا تتوقف على عدد الذين يمارسونه، وجدّية المطالب تُقاس بمضمونها وأسبابها، مهما اتسعت الساحات أو ضاقت.
في هذا السياق، يكتسب تأكيد المجلس الوزاري للأمن الوطني، خلال اجتماعه الخميس 22 تشرين الأول 2026، ضرورة تأمين التظاهرات السلمية وحسن التعامل مع المشاركين فيها أهمية تستحق التوقف عندها. فقد وضع المجلس توفير الأجواء الآمنة والتعامل الإنساني ضمن أولويات الأجهزة الأمنية، وهو تعهد معلن سيكون السلوك الميداني معيار الوفاء به.
تبدأ ترجمة هذا التعهد من وضوح التعليمات الموجهة إلى القوات المكلفة بالحماية، وتحديد مسؤولياتها، وضمان أن يفهم كل منتسب أن وجوده يهدف إلى صون سلامة المواطنين وتمكينهم من ممارسة حقهم. وتقتضي الحماية تسهيل الوصول إلى أماكن التجمع السلمي، وتأمين الإسعاف، وإتاحة عمل الصحفيين والمراقبين، وتجنب الإجراءات التي تحوّل المشاركة إلى تجربة خوف أو إذلال.
كما يقتضي التعامل الإنساني احترام كرامة المتظاهر في القول والفعل، والامتناع عن التهديد والإهانة والتوقيف التعسفي. وإذا وقعت مخالفة فردية، فإن معالجتها يجب أن تنحصر في مرتكبها، وفق القانون، مع استمرار حماية بقية المشاركين. فالساحة التي تضم مواطنين مختلفين لا يجوز اختزالها بتصرف شخص، ولا يصح تحميل الجميع مسؤولية فعل لم يرتكبوه.
وتحتاج هذه الالتزامات إلى وسائل واضحة للمساءلة؛ منها إعلان قنوات تلقي الشكاوى، والتحقيق في أي تجاوز، وإطلاع الرأي العام على نتائجه. فالثقة تتعزز عندما يعرف المواطن أن التعليمات تحميه، وأن مخالفتها تستتبع محاسبة فعلية.
لكن نجاح الدولة في حماية التظاهرة يفتح سؤالاً أوسع: ماذا ستفعل بالمطالب التي تُرفع فيها؟ إن انتهاء يوم الاحتجاج بسلام إنجاز واجب، وتبقى بعده مسؤولية التعامل مع الأسباب التي دفعت الناس إلى المشاركة. وقد يعود الاحتقان سريعاً إذا تلقى المحتجون وعوداً عامة، ثم اكتشفوا أن أحداً لم يتابعها.
الاستماع الجاد يبدأ بتسجيل المطالب كما يطرحها أصحابها، وتحديد الجهات المسؤولة عن الإجابة عنها. وهو يحتاج إلى حوار يحترم تعدد المشاركين، ويتيح لهم اختيار من يعرض مطالبهم، من دون فرض ممثلين عليهم أو افتراض أن جهة واحدة تتحدث باسم الجميع. والأجدى أن تعلن الحكومة ما تستطيع تنفيذه، وما يحتاج إلى تشريع أو تخصيص مالي، وما تعترضه صعوبات، مع بيان أسبابها.
للإجابة الحكومية قيمة حين تكون محددة وقابلة للمتابعة: إجراء معلوم، وجهة مسؤولة، وموعد للتنفيذ، وتقرير يوضح ما تحقق وما تأخر. أما تكرار الحديث عن دراسة المطالب وتشكيل اللجان، من دون نتائج منشورة، فيستهلك ما تبقى من الثقة. ومن حق المواطن أن يتلقى تفسيراً صريحاً إذا تعذر تنفيذ مطلبه، وأن يناقش هذا التفسير ويعترض عليه.
وفي المقابل، تقع على منظمي الاحتجاج مسؤولية صون سلميته ووضوح غايته. فكلما كانت المطالب دقيقة ومعلنة، أصبح عرضها على المجتمع ومساءلة الحكومة بشأنها أكثر فاعلية. ويساعد ترتيب الأولويات والتمييز بين المطالب العاجلة والإصلاحات التي تحتاج مساراً أطول على منع ضياع القضايا وسط شعارات متزاحمة أو وعود يصعب قياسها.
وتتطلب السلمية تنظيماً ومتابعة: توعية المشاركين، ورفض حمل السلاح والتحريض، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، واحترام العاملين في المؤسسات الخدمية والأجهزة الأمنية. كما تستلزم الحرص على سلامة غير المشاركين وأرزاقهم، والحفاظ على وصول الحالات الطارئة إلى المستشفيات. فالمرفق العام ملك للمواطنين، وإتلافه يضيف خسارة إلى الخسائر التي يحتجون عليها.
هذه المسؤولية لا تنتقص من واجب الدولة في الحماية، ولا تجعل حقوق المشاركين معلقة على قدرتهم على منع كل تصرف فردي. لكنها تمنح الاحتجاج قوة أخلاقية وسياسية، وتصون استقلال صوته، وتساعده على إبقاء الاهتمام منصباً على مطالبه.
قبل الخامس والعشرين من تشرين، تملك الحكومة فرصة لإثبات جدية تعهدها بالحماية، ويملك المنظمون فرصة لتقديم احتجاج واضح المطالب ومسؤول في ممارسته. وسيكون الامتحان في قدرة الطرفين على صون سلامة الناس، ثم في قدرة مؤسسات الدولة على تحويل ما تسمعه إلى إجابات وإجراءات معلنة. فالمواطن الذي يرفع صوته يريد أن يطمئن إلى أن حقه مصون، وأن صوته يصل، وأن لأسباب احتجاجه مكاناً على جدول العمل الحكومي.




