عربي

لروح الإعلامي والمعلّق الرياضي إياد ناصر

ناريمان عمّار

في زمن كانت فيه كرة القدم السورية أشبه بـ”مسرح سياسي” مكشوف، حيث تُحشر الجماهير في المدرجات كجُندٍ مصطفين، وتُرفع الهتافات للقائد وكأنها نشيد وطني، ويُدار الاتحاد الرياضي برتب عسكرية، كان صوت إياد ناصر هو الفجوة الوحيدة التي تسمح للجمهور بالتنفس.

جميّلهُ أنه لم يحاول مواجهة تلك الروح بعنف، ولا بالانحياز الأعمى، بل تعامل معها بـ”حرفة الحكواتي” الذي يعرف كيف يروي القصة دون أن يغرق في تفاصيلها المزعجة.

كان أشبه بـ”جسر حيّ” بين اللغة الرسمية المتصلبة والواقع اليومي البسيط، ترك للخطاب البعثي هيبته الظاهرية، لكنه غلفها بطبعة شخصية قريبة من الناس، عندما كان يعلق على مباراة، لم يكن يبدو كمسؤولٍ يلقي بياناً، بل كجارٍ يشاركك متعة الهدف أو حسرة الخطأ، وكأن الكرة كانت، في يديه، مجرد لعبة لا معركة.

جميله الأعمق أنه جعل البُعد السياسي يتبخر في الخلفية، دون أن يُلغيه تماماً.

لم يصادم السردية الرسمية، لكنه أيضاً لم يمنحها أكثر من حجمها الطبيعي. تركها كخلفية رمادية، وركّز على التفاصيل الإنسانية للاعبين، على لحظات الفرح العابرة، على حماسة الحضور التي يمكن أن تكون بريئة. هكذا، استطاع أن “يُسلّح” المشاهدين بسلاحٍ مختلف: سلاح العفوية ضد التصلب، والارتياح ضد التوجس.

في النهاية، كان جميله أنه جعل الروح البعثية تظهر، عبر صوته، أقل تهديداً وأكثر قابلية للاحتمال، دون أن يخون نفسه أو ينكر واقع الحال، كأنه يقول بصوت خفيض: “نعم، هذا هو الواقع، لكن دعونا نستمتع بالمباراة أولاً”.

وهذه، بحد ذاتها، كانت فنّاً في زمن كان الفن فيه مطلوباً أكثر من أي وقت مضى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى