دولي

مضيق هرمز.. ممر نفطي تحت الاختبار وإعادة رسم لخريطة الطاقة العالمية

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري استراتيجي يربط الخليج العربي ببحر عُمان، بل تحوّل خلال الأشهر الماضية إلى واحدة من أبرز نقاط الاختبار للاقتصاد العالمي. فاستمرار اضطراب حركة الملاحة عبر المضيق وضع إمدادات النفط والغاز أمام تحديات كبيرة، ودفع الدول والشركات إلى البحث عن طرق بديلة لتأمين احتياجاتها من الطاقة والتجارة.

وتزداد أهمية التطورات الأخيرة مع عودة الاتصالات بين إيران وسلطنة عُمان بشأن تنظيم حركة الملاحة في المضيق، وسط محاولات للتوصل إلى صيغة تسمح بإنشاء ممر بحري مؤقت، بالتوازي مع مشروع لإزالة الألغام من الممر المائي.

وأوضحت وكالة «رويترز» أن إيران وسلطنة عُمان استأنفتا النقاش حول إدارة حركة المرور في مضيق هرمز، مشيرة إلى أن البلدين بحثا إطاراً لإنشاء ممر ملاحي مؤقت والعمل على إزالة الألغام. ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه حركة السفن عبر المضيق عند مستويات منخفضة بشكل كبير مقارنة بالمعدلات المعتادة.

وبحسب بيانات نقلتها «رويترز» عن شركة «كبلر» المتخصصة في تتبع حركة السفن، عبرت خمسة سفن تجارية فقط المضيق يوم الثلاثاء، مقارنة بمتوسط يبلغ نحو 15 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة. وكانت الحركة في اليوم الذي سبقه محدودة أيضاً، مع تسجيل عبور أربع سفن فقط.

شريان الطاقة العالمي

تكمن خطورة مضيق هرمز في موقعه بالنسبة إلى أسواق الطاقة العالمية. فهو يشكل أحد أهم الممرات البحرية التي تمر عبرها شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال القادمة من منطقة الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية وغيرها.

وتشير «رويترز» إلى أن المضيق كان يمر عبره قبل اندلاع الأزمة ما يقارب 20 في المئة من الشحنات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، الأمر الذي يجعل أي اضطراب طويل الأمد في الملاحة داخله قابلاً للانتقال سريعاً من أزمة إقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية.

ولهذا السبب، لا تراقب الدول المنتجة والمستوردة فقط ما يحدث في مياه الخليج، بل تتابع الأسواق المالية وأسعار النفط وحركة الناقلات والتأمين البحري باعتبارها مؤشرات مباشرة إلى حجم المخاطر التي يمكن أن تنتج عن استمرار الأزمة.

النفط.. المؤشر الأسرع على حجم الأزمة

انعكست التطورات في المضيق مباشرة على أسعار النفط. وفي 26 آب، أظهرت بيانات السوق التي نقلتها «رويترز» تراجع أسعار الخام بأكثر من دولارين للبرميل مع تجدد الآمال بإمكانية التوصل إلى ترتيبات تسمح باستئناف الملاحة بصورة أكثر انتظاماً.

لكن هذا التراجع لا يعني انتهاء الأزمة.

فأسواق النفط باتت تتعامل مع احتمال استمرار الاضطرابات لفترة أطول، خصوصاً أن عودة حركة السفن إلى مستوياتها الطبيعية لا تعتمد فقط على فتح ممر ملاحي، وإنما ترتبط أيضاً بالوضع الأمني والعسكري، وبالعقوبات الأميركية على إيران، وبمدى قدرة شركات الشحن على اعتبار المرور في المضيق آمناً وقابلاً للتأمين.

وكانت «رويترز» قد أشارت في تحليل سابق إلى أن أسواق النفط بدأت تتعامل مع اضطراب إمدادات الطاقة في المنطقة باعتباره احتمالاً يمكن أن يتحول من صدمة مؤقتة إلى واقع طويل الأمد.

هل يكفي فتح ممر مؤقت؟

هنا تكمن العقدة الأساسية.

فالاتفاق الإيراني-العُماني المقترح قد يفتح نافذة أمام استئناف جزء من حركة الملاحة، لكنه لا يعني بالضرورة عودة التجارة إلى طبيعتها السابقة.

وبحسب ما أوردته «الجزيرة»، يتضمن الإطار الذي ناقشته إيران وعُمان إنشاء ممر ملاحي مشترك ومؤقت، إلى جانب مشروع لإزالة الألغام، فيما تستمر المفاوضات الفنية بهدف الوصول لاحقاً إلى ترتيبات أكثر ديمومة لإدارة الملاحة في المضيق.

وتشير المعطيات التي نقلتها «رويترز» إلى أن إزالة الألغام وتنظيم حركة السفن يمثلان جزءاً من المشكلة فقط، إذ إن العقوبات والضغوط الأميركية على إيران، إضافة إلى المخاطر الأمنية، يمكن أن تستمر في التأثير على قرارات شركات الشحن حتى في حال إنشاء ممر رسمي.

بمعنى آخر، فتح الطريق قانونياً لا يعني بالضرورة أن شركات النقل ستعود فوراً إلى استخدامه بكامل طاقتها.

العالم يبحث عن البدائل

أزمة هرمز بدأت تدفع المستوردين والشركات إلى إعادة النظر في اعتمادهم الكبير على هذا الممر البحري.

فكلما طال اضطراب حركة الملاحة، زادت الحاجة إلى تأمين مصادر نفط بديلة وطرق شحن مختلفة، حتى لو كانت أكثر كلفة أو أطول مسافة.

وتظهر هذه التحولات في الأسواق الآسيوية بشكل خاص، حيث تعتمد اقتصادات كبرى مثل الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية على واردات الطاقة القادمة من منطقة الخليج.

وتوضح وكالة «أسوشيتد برس» أن تراجع أسعار النفط في الأيام الأخيرة انعكس إيجاباً على بعض الاقتصادات الآسيوية المستوردة للطاقة، لكن الوكالة شددت في الوقت نفسه على أن اضطرابات مضيق هرمز لا تزال تشكل عاملاً رئيسياً في أسواق الطاقة.

وهذا يعني أن الأزمة لا تؤثر فقط على سعر برميل النفط، وإنما يمكن أن تنتقل إلى أسعار الكهرباء والنقل والصناعة والسلع، خصوصاً إذا استمرت لفترة طويلة.

أزمة تتجاوز النفط

أحد الجوانب الأقل وضوحاً في أزمة هرمز هو تأثيرها على قطاع الشحن العالمي.

فبحسب صحيفة «فايننشال تايمز»، ساهمت الاضطرابات التجارية وإغلاق بعض الممرات، ومن بينها مضيق هرمز، في رفع تكاليف النقل البحري. وارتفعت تكلفة شحن حاوية قياسية بطول 40 قدماً إلى نحو 4,526 دولاراً، أي ما يقارب ضعف مستواها قبل عام.

وهذه الزيادة لا تبقى محصورة في شركات الشحن. فارتفاع تكاليف النقل والتأمين والوقود يمكن أن يصل في النهاية إلى المستوردين والمصانع والمستهلكين، ما يضيف ضغوطاً جديدة على التضخم العالمي.

وبذلك يصبح مضيق هرمز جزءاً من سلسلة أوسع من الأزمات التي تعيد تشكيل التجارة الدولية، من البحر الأحمر إلى البحر الأسود وممرات الطاقة في الشرق الأوسط.

من يملك مفتاح العودة إلى الوضع الطبيعي؟

رغم الحديث عن ممر مؤقت بين إيران وعُمان، لا تزال الصورة السياسية معقدة.

فالمضيق يقع بين إيران وسلطنة عُمان، وتطل عليه أيضاً دول خليجية تعتمد بشكل كبير على حركة التجارة والطاقة عبره. وبالتالي فإن أي ترتيبات دائمة للملاحة تحتاج إلى توافق أوسع من مجرد اتفاق ثنائي.

كما أن مستقبل المضيق مرتبط بصورة مباشرة بمسار الأزمة بين إيران والولايات المتحدة. فالعقوبات الأميركية، والملف النووي، والوضع العسكري، كلها عوامل يمكن أن تحدد ما إذا كان الممر المؤقت سيتحول إلى حل مستدام أم سيبقى مجرد إجراء لتخفيف حدة الأزمة.

وتشير «الجزيرة» إلى أن النقاشات الإيرانية-العُمانية لا تقتصر على فتح ممر مؤقت، بل تشمل أيضاً البحث في ترتيبات مستقبلية لإدارة الملاحة وتبادل المعلومات وتنظيم حركة السفن وتقديم الخدمات الأمنية والملاحية.

وهذا يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل نحن أمام إعادة صياغة طويلة الأمد لقواعد الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم؟

أزمة هرمز قد تغير حسابات الطاقة

ربما يكون التأثير الأهم للأزمة على المدى البعيد هو أنها دفعت الحكومات والشركات إلى التفكير في مسألة كانت تبدو قبل الأزمة أقل إلحاحاً: ماذا يحدث إذا لم يعد مضيق هرمز ممراً مضموناً كما كان؟

فأمن الطاقة لا يتعلق فقط بامتلاك النفط والغاز، وإنما أيضاً بالقدرة على نقل هذه الموارد من المنتج إلى المستهلك بأمان وبكلفة مقبولة.

وإذا استمرت المخاطر الأمنية في المضيق، فقد نشهد مزيداً من الاستثمارات في خطوط الأنابيب والطرق البحرية البديلة ومخزونات الطوارئ، إلى جانب تنويع مصادر الطاقة.

وفي هذا السياق، أشارت «رويترز» إلى أن وكالة الطاقة الدولية تتوقع انخفاض إمدادات النفط العالمية خلال عام 2026 بنحو 4.3 ملايين برميل يومياً، أي ما يقارب 4 في المئة، في ظل استمرار القيود المرتبطة بأزمة هرمز.

ممر واحد.. وتأثير عالمي

تكشف أزمة مضيق هرمز حقيقة أساسية في الاقتصاد العالمي: بعض النقاط الجغرافية الصغيرة تمتلك تأثيراً أكبر بكثير من مساحتها.

فالمضيق الذي يبدو على الخريطة مجرد ممر بحري ضيق، يستطيع التأثير في أسعار النفط والشحن والتأمين والتضخم وحركة الأسواق، وصولاً إلى تكلفة السلع التي يدفعها المستهلك في قارات بعيدة.

ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: متى تعود السفن إلى عبور مضيق هرمز؟

السؤال الأهم هو: هل ستعود كما كانت؟

فإذا نجحت إيران وعُمان في تثبيت ممر مؤقت ثم الانتقال إلى ترتيبات دائمة، فقد تبدأ مرحلة جديدة من الاستقرار الملاحي. أما إذا استمرت المخاطر والعقوبات والتوترات، فقد تجد الأسواق نفسها أمام واقع جديد تصبح فيه طرق الطاقة البديلة وتنويع مصادر الإمداد جزءاً دائماً من الحسابات الاقتصادية للدول.

وفي الحالتين، تبدو أزمة مضيق هرمز أكبر من أزمة ممر بحري. إنها اختبار لمدى قدرة الاقتصاد العالمي على التعامل مع عالم تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية، وتتراجع فيه فكرة أن سلاسل الإمداد العالمية يمكن أن تبقى بمنأى عن الصراعات.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى