
أضطر أحيانًا إلى أن أكتب أكثر من مقال في اليوم الواحد، لأن الأحداث تتسارع، ولأن بعض التصريحات ليست خبرًا ينتهي بانتهاء المؤتمر الصحفي، بل مفتاحًا لفهم ما يجري في المنطقة. واليوم، وبعد زيارة رئيس الوزراء إلى أنقرة، استوقفتني عبارة المليون برميل أكثر من أي عبارة أخرى. فالتصفيق الذي رافق الإعلان عن استعداد العراق لتزويد تركيا بمليون برميل من النفط يوميًا، والحديث عن شراكة نفطية واسعة، يعيدان إلى ذهني سؤالًا قديمًا كتبته منذ أكثر من عقدين: هل نحن نسير بهدوء نحو معادلة النفط مقابل الماء؟
منذ عقود، بنت تركيا استراتيجيتها المائية على أساس أن منابع دجلة والفرات ورقة قوة وطنية، ولذلك لم تتعامل مع المياه بالمنطق الذي يطالب به العراق والأمم المتحدة بوصفها موردًا عابرًا للحدود، ضمن اتفاقيات الدول المتشاطئة بل واصلت بناء السدود، وتوسيع مشاريعها، وتقليص ما يصل إلى الأراضي العراقية. والنتيجة أمام الجميع: أنهار انحسرت، وأهوار تراجعت، وأراضٍ زراعية تصحرت، فيما ظل العراق يفاوض من موقع المحتاج لا من موقع الشريك.
في المقابل، لا تمتلك تركيا ثروة نفطية تضاهي ما يمتلكه العراق، ولذلك كنت أرى دائمًا أن العلاقة بين البلدين لن تبقى محكومة بالجغرافيا وحدها، بل بمعادلة المصالح. نحن نملك النفط، وهم يتحكمون بالماء. ولهذا لم يكن مستغربًا بالنسبة لي أن يصبح النفط محورًا رئيسًا في أي تفاهم إستراتيجي بين البلدين. أما السؤال الحقيقي فهو: ماذا سيحصل العراق في المقابل؟
أنا لا أعترض على تطوير العلاقات مع تركيا، ولا على زيادة الصادرات النفطية، ولا على تحويل العراق إلى مركز إقليمي للطاقة. بل دعوت إلى ذلك مرارًا. لكنني أرفض أن يبقى ملف المياه مؤجلًا، أو أن يُدار بالوعود العامة، بينما تُحسم الملفات الاقتصادية بسرعة قياسية.
إن المياه ليست قضية خدمية، بل قضية سيادة وأمن قومي. وما قيمة أن نصدر مليون برميل إضافي كل يوم إذا كانت بساتين العراق تجف، وأهواره تموت، ومدنه الجنوبية تزداد عطشًا عامًا بعد آخر؟ وما قيمة أي شراكة اقتصادية إذا لم يشعر العراقي أن حقه في الماء أصبح أكثر أمنًا مما كان عليه قبل توقيع الاتفاقيات؟
لقد قرأت في الزيارة رسائل كثيرة، لكن الرسالة التي أبحث عنها لم أسمعها بوضوح بعد: ما الذي كسبه العراق في ملف المياه؟ لأن التاريخ علّمنا أن الدول لا تتخلى عن أوراق قوتها مجانًا، وتركيا تدرك جيدًا قيمة الماء، كما يدرك العراق قيمة النفط.
لهذا أكرر ما كتبته قبل سنوات: لن يكون مستقبل العلاقة العراقية التركية مستقرًا إلا إذا انتقلنا من معادلة النفط مقابل الماء إلى معادلة النفط والماء معًا؛ شراكة متوازنة يحفظ فيها كل طرف مصالحه وحقوقه. أما إذا بقي أحد الملفين يتقدم، والآخر يتراجع، فإن علامات الاستفهام ستبقى أكبر من التصفيق، وسيبقى العراقي يتساءل: هل باع العراق نفطه، أم اشترى حقه في الماء؟




