
شاركتُ أمس في برنامج «ستوديو العاصمة» على قناة سامراء الفضائية، في حوار تناول ملفاً عراقياً شائكاً طال بقاؤه حتى أصبح جزءاً من بنية المشهد السياسي والأمني، وهو ملف حصر السلاح بيد الدولة، وقد حاولت أن أتعامل معه بعيداً عن اللغة التي تختصر القضايا الكبرى في شعار أو موقف عابر، لأننا أمام مسألة بدأت منذ أكثر من اثنين وعشرين عاماً، منذ تأسيس جيش المهدي، ثم مرت بمراحل وتحولات أعادت تشكيل علاقة السلاح بالدولة، وبالقوى السياسية، وبالمجتمع، وبالبيئة الإقليمية والدولية، حتى لم يعد السؤال الحقيقي متعلقاً بوجود السلاح وحده، وإنما بمصدر القرار الذي يحدد متى يستخدم، ومن يملك أمر استخدامه، ولمن تعود الكلمة الأخيرة عندما تتعدد الإرادات وتتقاطع المصالح.
لقد انتقل العراق خلال هذه السنوات من مرحلة إلى أخرى، وتكاثرت التشكيلات المسلحة وتنوعت وظائفها، ثم جاء تأسيس الحشد الشعبي بوصفه مؤسسة قانونية ليضيف إطاراً جديداً إلى هذه المعادلة، كما اتخذت الدولة إجراءات لإغلاق عدد من المكاتب التي كانت تستخدم اسم الحشد، وجرى الحديث عن إغلاق نحو سبعين مكتباً، لكنني أرى أن هذه الإجراءات، مهما كانت ضرورية، لا تمس جوهر المشكلة إذا بقي النقاش محصوراً في المكاتب والعناوين والمسميات، لأن القضية ليست في المكان الذي يوضع فيه السلاح ولا في الاسم الذي يحمله التشكيل، وإنما في الجهة التي تمتلك قرار استخدامه؛ فالسلاح يمكن أن ينتقل من خارج المؤسسة إلى داخلها، ويمكن أن يتغير الزي والهيكل والعنوان، لكن ذلك كله لا يصنع احتكاراً للدولة ما لم ينتقل القرار نفسه إلى الدولة.
الدستور واضح في منح رئيس مجلس الوزراء، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، موقع القيادة العليا للقوات المسلحة، غير أن النص الدستوري، مهما كانت صراحته، لا يكفي وحده لصناعة واقع سياسي يطابقه، فهناك مسافة بين امتلاك الصلاحية على الورق وامتلاك القدرة على ممارستها في الواقع، وهذه المسافة هي التي ينبغي أن نضع يدنا عليها إذا أردنا معالجة حقيقية للملف؛ ولذلك فإن السؤال الذي أراه أكثر أهمية من سؤال «أين السلاح؟» هو «من يقرر استخدامه؟»، ومن يستطيع إصدار الأمر، ومن يملك القدرة على تنفيذه، ومن يملك في المقابل القدرة على تعطيله، لأن الدولة التي تتعدد داخلها مراكز القرار الأمني والعسكري قد تمتلك مؤسسات مكتملة من الناحية الشكلية، لكنها تظل ناقصة في جوهر السيادة.
إن إدخال السلاح في مؤسسة رسمية لا يعني بالضرورة أن الدولة أصبحت صاحبة القرار الكامل، فالعبرة ليست بالعنوان الإداري وإنما بسلسلة القيادة وبمرجعية الأمر وبالولاء الفعلي للقرار الوطني، وإذا بقيت بعض التشكيلات تتحرك وفق حسابات تتجاوز القيادة الدستورية، فإننا نكون أمام إعادة ترتيب للسلاح لا أمام توحيد للقرار، أما حين يصبح جميع السلاح خاضعاً لسلسلة قيادة واحدة، وللقانون، ولأوامر القائد العام، ولا توجد إلى جانب قرار الدولة إرادة عسكرية موازية تستطيع أن تقول كلمتها بالسلاح، فعندها فقط يمكن القول إن العراق بدأ ينتقل فعلاً من إدارة أزمة السلاح إلى بناء دولة تحتكر قرار القوة.
ولهذا فإنني لا أرى أن الإكراه وحده يمكن أن يكون مدخلاً صالحاً لمعالجة هذه القضية، لأن القوى التي تحمل السلاح ليست تشكيلات عسكرية منفصلة عن المجتمع يمكن تفكيكها بقرار إداري، وإنما ترتبط بأوزان سياسية وامتدادات اجتماعية وحسابات انتخابية ومصالح اقتصادية، وبعضها ينظر إلى السلاح بوصفه ضمانة لوجوده ونفوذه ومستقبله السياسي، ولذلك فإن أي انتقال حقيقي من وضع الفصائل إلى وضع الدولة يحتاج إلى ضمانات واضحة تتعلق بالمقاتلين أنفسهم، وبمستقبلهم، وبمكانتهم داخل مؤسسات الدولة، وبحقوقهم السياسية والاجتماعية، وبالمصالح الاقتصادية التي ارتبطت بهذه القوى، لأن الدولة التي تطلب من الآخرين التخلي عن أدوات قوتهم مطالبة في الوقت نفسه بأن تقدم لهم تصوراً واضحاً عن موقعهم في الدولة التي يريد الجميع بناءها.
ومن هنا يصبح الحوار الوطني ضرورة سياسية وليس مناورة لتأجيل القرار، لأن الحوار لا يعني أن الدولة تتفاوض على حقها في احتكار السلاح، فهذا الحق لا يحتاج إلى تفاوض، وإنما يعني أن الدولة تتحاور حول الطريق الذي ينقل الواقع العراقي من تعدد مراكز القوة إلى وحدة القرار، وأن تضع أمام القوى المعنية ضمانات صريحة تجعل الانتقال ممكناً وقابلاً للاستمرار، فالهدف ليس أن تختفي القوى السياسية من المشهد، وإنما أن ينفصل حقها في العمل السياسي عن امتلاك قوة عسكرية مستقلة، وأن ينتقل الإنسان الذي كان مقاتلاً في فصيل إلى مؤسسة وطنية تحفظ له كرامته ومستقبله، بدلاً من أن يتحول ملف السلاح إلى معركة كسر إرادات يكون ثمنها المجتمع والدولة معاً.
وفي هذا السياق، فإن التمييز بين تجميد السلاح وتسليم السلاح ليس هامشا لغوياً، وإنما هو الفاصل بين تسوية مؤقتة وحل حقيقي؛ فالتجميد يعني أن السلاح يتوقف عن الحركة في ظرف معين، لكنه يبقى موجوداً وقابلاً لإعادة الاستخدام عندما تتغير الظروف، أما التسليم فيعني أن القدرة على استخدام القوة نفسها تنتقل إلى الدولة، وأن القرار الذي كان خارج مؤسساتها يصبح جزءاً من منظومتها الدستورية، ولذلك فإن أي تفاهم سياسي لا يحدد مصير السلاح ومصير حامليه وموقعهم في الدولة، ولا يضع جدولاً واضحاً للانتقال، ولا يوفر ضمانات حقيقية للأطراف، سيبقى أقرب إلى إدارة جديدة للأزمة منه إلى نهاية لها.
ولا ينبغي أن ننظر إلى السلاح في العراق بوصفه أداة عسكرية فقط، لأن قوته الحقيقية في كثير من الأحيان تنشأ من اتصاله بالنفوذ السياسي والاجتماعي والانتخابي، ولذلك فإن معالجة السلاح تقتضي إعادة ترتيب البيئة التي تمنحه هذه القيمة، فالانتخابات التي تسمح بشراء الأصوات أو باستخدام النفوذ المالي والسياسي أو الاجتماعي للتأثير في إرادة الناخب تجعل السلاح جزءاً من معادلة الشرعية، بينما الانتخابات التي تحمي المواطن من الإكراه وتمنع شراء إرادته وتضمن أن يكون صوته نابعاً من اختياره هي الوجه الآخر لمشروع الدولة، ولهذا تحدثت في اللقاء عن أهمية البطاقة الوطنية في تنظيم العملية الانتخابية إذا رافقتها منظومة حقيقية تمنع التلاعب وتحمي إرادة العراقيين، لأن احتكار الدولة للقوة لن يكتمل ما لم تحتكر المؤسسات الدستورية أيضاً إنتاج الشرعية السياسية عبر انتخابات نزيهة لا تتحكم فيها موازين القوة خارج صندوق الاقتراع.
كما أن الحديث عن السلاح العراقي لا يمكن أن يُفصل عن موقع العراق في صراع المصالح الإقليمية والدولية، ولا سيما الصراع الأمريكي–الإيراني الذي ترك أثراً عميقاً في المشهد العراقي، فالعراق يعيش في منطقة تتقاطع فيها مشاريع متعددة، وكلما عجز عن إنتاج قرار وطني واضح أصبح أرضاً مفتوحة لتصفية الحسابات، ولهذا فإن استعادة القرار العراقي لا تعني قطع العلاقات مع هذا الطرف أو ذاك، ولا تعني أن يتحول العراق إلى دولة منعزلة عن محيطها، وإنما تعني أن يعيد العراق تعريف علاقاته الخارجية من موقع الدولة صاحبة المصلحة، بحيث تكون علاقاته مع الآخرين أدوات لبناء قوته ومصالحه، لا منافذ للتأثير في قراره الداخلي؛ العراق يستطيع أن يكون صديقاً للجميع، لكنه لا يستطيع أن يكون ساحة للجميع.
السيادة، في تقديري، ليست أن تعادي الخارج حتى تثبت استقلالك، وليست أن تغلق الأبواب في وجه العالم، وإنما أن تدخل الدولة إلى علاقاتها الخارجية وهي تعرف ماذا تريد، وتعرف أين تتفق وأين تختلف، وتملك القدرة على حماية قرارها عندما تتعارض المصالح، لأن الدولة التي لا تستطيع أن تقول «نعم» و«لا» من داخل مؤسساتها لا تستطيع أن تكون طرفاً في السياسة الدولية، وإنما تتحول تدريجياً إلى مساحة تتصارع فيها إرادات الآخرين، ومن هنا فإن تحرير القرار العراقي من التجاذب الخارجي ليس شعاراً سياسياً مضافاً إلى ملف السلاح، بل أحد شروط معالجته، لأن استمرار القوى الخارجية في البحث عن أدوات داخل العراق سيبقي السلاح جزءاً من الصراع على القرار الوطني.
وفي هذا السياق يأتي تقييم الحكومة بعد مرور أكثر من مئة يوم على تشكيلها، وأنا أرى أن رئيس الوزراء وفريقه يحاولان الانتقال من أسلوب إدارة الأزمات إلى مفهوم قيادة الدولة، وهذه محاولة تستحق أن تُقاس بما تنتجه على الأرض، لأن الفرق بين إدارة الأزمة وقيادة الدولة يشبه الفرق بين من يركض خلف الأحداث ومن يصنع اتجاهها؛ إدارة الأزمة تعني أن تتحرك الدولة كلما وقع حدث، أما قيادة الدولة فتعني أن تمتلك رؤية تجعل الأحداث تتحرك داخل مسار تحدده الدولة، ولذلك فإن العراق يحتاج إلى حكومة لا تكتفي بإطفاء الحرائق المتناثرة، وإنما تعيد ترتيب البيئة التي تنتج هذه الحرائق، وتضع أولويات واضحة، وتبني مؤسسات قادرة على تنفيذ القرار، وتستعيد ثقة المواطن بأن الدولة ليست مجرد طرف آخر في المشهد، وإنما هي الإطار الذي تنتظم داخله كل الأطراف.
وسيكون ملف السلاح واحداً من أكثر الملفات قدرة على اختبار هذا التحول، لأنه يضع الدولة أمام سؤال لا يمكن الالتفاف حوله: هل تستطيع أن تجعل القانون مرجعية واحدة للجميع، وأن تفصل بين السياسة والقوة المسلحة، وأن تجعل القرار الأمني والعسكري قراراً وطنياً واحداً؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فإن الطريق يبدأ بالحوار وبناء الضمانات وتوحيد المؤسسات، أما إذا بقيت الدولة تتعامل مع الملف من خلال إجراءات جزئية أو تفاهمات مؤقتة، فإن الأزمة ستبقى كامنة حتى لو اختفت مظاهرها لبعض الوقت.
أنا لا أعتقد أن أحداً يستطيع بناء هذه المعادلة منفرداً، ولا أعتقد أن هذا الطريق يمكن اختصاره بقرار أو توقيع، لأننا نتعامل مع تراكم تاريخي امتد لأكثر من اثنين وعشرين عاماً، تشكلت خلاله موازين قوى وذاكرة خوف ومصالح وشبكات نفوذ، ولذلك فإن المطلوب شجاعة من الدولة وشجاعة من القوى السياسية معاً؛ شجاعة الاعتراف بأن ازدواج القرار لا يمكن أن يكون نظاماً دائماً للحكم، وشجاعة الانتقال من سؤال «من ينتصر؟» إلى سؤال «كيف تنتصر الدولة؟»، لأن الدولة لا تُبنى عندما يهزم طرفٌ طرفاً آخر، وإنما عندما يجد الجميع أن مستقبلهم السياسي والاجتماعي لا يحتاج إلى قوة موازية لمؤسساتها.
إن الحوار الوطني الذي أدعو إليه لا يعني أن نضع سيادة الدولة على طاولة التفاوض، وإنما يعني أن نتفاوض على الطريق الذي يجعل السيادة ممارسة يومية لا مجرد نص دستوري، وأن نتفق على كيفية انتقال المقاتلين إلى مؤسسات الدولة، وكيف تُحفظ الحقوق، وكيف تُبنى الثقة، وكيف تُفصل السياسة عن السلاح، وكيف يصبح الخلاف السياسي مساحة للتنافس لا مدخلاً إلى القوة، فالعراق لا يحتاج إلى تسوية جديدة تطوي الملف مؤقتاً ثم تعيده عند أول اهتزاز، وإنما يحتاج إلى عقد وطني يعيد رسم العلاقة بين الدولة والقوى السياسية والمجتمع على قاعدة واضحة: الخلاف السياسي حق، والمشاركة السياسية حق، والتنافس الانتخابي حق، أما السلاح والقرار والسيادة فهي حقوق حصرية للدولة.
لقد طال بنا زمن معالجة الأعراض، وكلما أغلقنا نافذة من نوافذ الأزمة وجدناها تفتح من نافذة أخرى، ولذلك فإن اللحظة الراهنة تستحق أن تكون لحظة انتقال حقيقية من إدارة الأزمة إلى قيادة الدولة؛ من احتواء السلاح إلى توحيد القرار، ومن ترتيب التشكيلات إلى ترتيب الدولة، ومن البحث عن هدنة سياسية إلى بناء قاعدة وطنية مستقرة، ومن انتظار ما يفعله الآخرون بالعراق إلى امتلاك القدرة على تحديد ما يفعله العراق بنفسه.
حصر السلاح، بهذا المعنى، ليس حملة أمنية ولا شعاراً سياسياً موسمياً، وإنما هو مشروع لإعادة بناء القرار الوطني، وحين يصبح القرار واحداً يصبح السلاح في موضعه الطبيعي، وحين يصبح القانون واحداً يصبح اختلاف العراقيين قابلاً للحياة، وحين تصبح السيادة واحدة يصبح العراق قادراً على إقامة علاقاته مع العالم من موقع الندية والمصلحة.
العراق لا يحتاج دولة أقوى على مواطنيها، وإنما دولة أقوى بمؤسساتها؛ ولا يحتاج إلى سلطة تلاحق أزماتها من ملف إلى ملف، وإنما إلى قيادة تستبق الأزمة ببناء الدولة؛ ولا يحتاج إلى إدارة دائمة لتعدد مراكز القوة، وإنما إلى دولة يكون فيها القرار الوطني واحداً، والسلاح وظيفة مؤسساتية، والسيادة عنواناً فعلياً لا مجرد كلمة تتكرر في الخطب.




