صحافة وآراء

من يملأ فراغ الخليج؟

ناصر التميمي

كشفت حرب إيران بوضوح الحد الفاصل بين نفوذ الصين وقوتها في الخليج: مصالح اقتصادية هائلة، يقابلها إحجام واضح عن دفع تكلفة التحول إلى ضامن أمني للمنطقة. وفي المقابل، أكدت الحرب أن دول الخليج تدرك أن المظلة الأميركية ليست مطلقة، وأن شكل الحضور والهيمنة العسكرية الأميركية في المنطقة بات موضع مراجعة، سواء في عواصم الخليج أو في واشنطن نفسها.

هذه التحولات حقيقية، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول من اتجاهات قابلة للتغير إلى حتميات جيوسياسية. فهناك من يبني تصوره للمستقبل على سلسلة تبدو منطقية للوهلة الأولى: ستواصل المصالح الصينية في الخليج اتساعها، وستنسحب الولايات المتحدة تدريجياً، وسيظهر فراغ أمني، ثم ستضطر الصين، في النهاية، إلى ملئه.

لكن الجغرافية السياسية نادراً ما تتحرك بهذا الشكل الخطي.

أولاً، اتساع المصالح الصينية نفسه ليس مساراً بلا سقف أو نهاية. صحيح أن الخليج سيظل مهماً للصين في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار، لكن بكين تعمل، في الوقت نفسه، على تقليل انكشافها الخارجي عبر تنويع مصادر الطاقة، وتوسيع البدائل البرية والبحرية، وتسريع التحول نحو الكهرباء والطاقة المتجددة. ولذلك، فكلما ارتفعت كلفة الاعتماد على منطقة مضطربة، قد تصبح إدارة الانكشاف وتقليص المخاطر أكثر جاذبية من عسكرتها.

ثانياً، التراجع الأميركي لا يعني بالضرورة الانسحاب. فقد تعيد واشنطن تشكيل وجودها العسكري، وتوزع قواعدها وقدراتها بصورة مختلفة، وتحمل الحلفاء الإقليميين قدراً أكبر من المسؤولية، من دون أن تتخلى عن المنطقة أو عن قدرتها على التدخل عند الضرورة. فالولايات المتحدة قد تصبح أقل حضوراً، لكنها لن تكون بالضرورة غائبة.

وثالثاً، حتى إذا نشأ ما يمكن وصفه بـ”الفراغ”، فلا توجد قاعدة تقول إن الصين ستكون وريثه الطبيعي. فقد توسع بكين حضورها البحري واللوجستي، وتزيد تعاونها الأمني مع دول المنطقة، لكنها تستطيع فعل ذلك من دون أن تقبل أعباء الهيمنة أو تقدم ضمانات دفاعية شاملة.

بل إن مفهوم “الفراغ” نفسه قد يكون مضللاً. فالخليج ليس مساحة تنتظر قوة عظمى جديدة كي ترثها بعد أخرى. وقد تسعى القوى الإقليمية نفسها إلى إعادة تشكيل توازناتها عبر ترتيبات دفاعية وأمنية أكثر مرونة، وتحالفات متقاطعة، وشراكات مع قوى أوروبية وآسيوية. وربما لا تكون النتيجة نظاماً يقوده قوة واحدة، بل بنية أمنية أكثر تعددية وتوزعاً.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة الصينية. فقد استطاعت بكين، خلال العقود الماضية، توسيع مصالحها في الخليج بصورة هائلة من دون أن تتحول إلى حامٍ أمني لها. وقد تفضل الاستمرار في هذا النموذج، مع تعديلات محدودة، بدلاً من وراثة الدور الأميركي بكل ما يحمله من قواعد والتزامات وحروب وكلفة سياسية وعسكرية.

لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: متى ستأخذ الصين مكان أميركا؟ بل: هل ما زال نموذج القوة المهيمنة الواحدة قابلاً للاستمرار أصلاً؟

المستقبل الأرجح ليس انتقال العصا ببساطة من واشنطن إلى بكين، بل تراجع تدريجي لنموذج الهيمنة الواحدة، وظهور نظام أمني أكثر تعددية، وأكثر ازدحاماً، وربما أكثر تعقيداً؛ نظام تحتفظ فيه الولايات المتحدة بثقلها، وتتوسع فيه الصين بحذر، بينما تحاول القوى الإقليمية نفسها أن تتحمل جزءاً أكبر من مسؤولية أمنها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى