ثقافة ومجتمع

مِحْرَابُ العَدَمِ وَنَبْضُ الأَزَل

العميد الركن بهاء حسن حلال

يا سائلاً عن سرِّ هذا الكَوْنِ، مُنْتَحِباً ماذا تُفَسِّرُ في المجهولِ أَسْرارَا؟

أَنَحنُ ظِلٌّ على جُدرانِ أَسْئِلَةٍ، أَمْ أَنَّ فينا مِنَ الأَزَلِ أَقْدارَا؟

نَمشي، وتَحمِلُنا الأَيّامُ مُدْبِرَةً، ونَحسَبُ العُمْرَ في أَيْدينا أَعْمارَا؛

ونَزرَعُ الأَرضَ أَحلاماً مُعَطَّرَةً، ونَحصدُ الصَّمتَ، أَشواكاً وأَحجارَا.

يا لَلعُقولِ! أَضاعتْ في تَفَتُّحِها دَرْبَ اليَقينِ، وأَضحتْ تَعبدُ الحارَة

تَبني منَ الوَهْمِ صَرْحاً لا قَرارَ لَهُ، وتَستعيرُ مِنَ الأَوهامِ أَسوارَا.

ما العِلْمُ إِلّا سُؤالٌ ضاقَ مَذهَبُهُ، وما اليَقينُ سوى شَكٍّ تَوارَى.

وما الحَياةُ سوى نَهرٍ نُحاوِلُهُ، نَعودُ منهُ، فلا ماءً ولا أَثَارَا؛

نُسَمّي الوُجودَ حُضوراً كي نُصَدِّقَهُ، ونَلعَنُ الغَيبَ إِنْ أَخفى لنا دارَا.

والقلبُ أَعجبُ مَخلوقٍ نُفَسِّرُهُ، يَرى الحقيقةَ جُرحاً، والجَوى نارَا؛

إِنْ أَحبَّ، رأى في القُربِ مَقتَلَهُ، وإِنْ تَباعدَ، صاغَ البُعدَ أَوتارَا.

يا أَيُّها الإنسانُ، يا سِرّاً يُطارِدُهُ سِرٌّ، ويَحمِلُ في أَحشائِهِ نارَا؛

ماذا جَنَيتَ سوى أَنَّكَ عَلى قَلَقٍ، تَرجو الخُلودَ، وتَخشى الموتَ إِكثارَا؟

تَهربُ من ظِلِّكَ المَمدودِ مُنكسراً، وتَستجيرُ مِنَ الأَيّامِ أَعذارَا؛

كأَنَّما الموتُ بابٌ لا مَنافِذَ في جِدارِهِ، وكأَنَّ العُمرَ مِسمارَا.

لكنَّني، كلَّما أَمعنتُ في زَمَني، رأيتُ في الفَناءِ معنىً كانَ مُحتارَا:

فالوَردُ لولا انقضاءُ العُمرِ ما افْتَتَنَتْ بهِ الفَراشاتُ، لا عِطراً ولا أَزهارَا؛

والنَّجمُ لولا مَسافاتٌ تُباعدُهُ، ما أَورثَ الأُفقَ أَشواقاً وأَنوارَا؛

والجرحُ لولا دُخولُ الضوءِ في دَمِهِ، ما أَنجَبَ الصَّبرَ، لا حِلماً ولا أَسْرارَا.

لَسْنا نَموتُ لأنَّ الدهرَ يَقتُلُنا، لكنَّنا نَموتُ إِذا ما عِشْنا أَدوارَا؛

إِذا استَحالَتْ مَرايانا مُكرَّرَةً، ولم نَعُدْ نَستَفِزُّ الصَّمتَ أَفكارَا؛

إِذا أَطَعْنا خُطانا دونَ بَصيرَةٍ، وصِرنا لِما يَشتهيهِ الغَيرُ أَطوارَا.

فكُنْ كما أَنتَ، لا كما شاءَ مُجتمعٌ أَنْ يَستعيرَ لِوَجهِ الرُّوحِ أَقنِعَةً؛

فليسَ أَقسى مِنَ الإنسانِ يَعرِفُهُ نفسُهُ، ثمَّ يَعيشُ العُمرَ مُنكارَا.

ولا أَجلُّ مِنَ الإنسانِ يَكسِرُهُ وَهمُ الكمالِ، فيَغدو النَّقصُ مِعمارَا؛

ففي التَّصدُّعِ أَحياناً نَوافِذُنا، وفي الرُّكامِ نَرى لِلضَّوءِ مِقدارَا.

يا أَنتَ، يا واقفاً ما بينَ هاوِيَةٍ تُدعى النِّهايةَ، وأُخرى تُدعى إِبحارَا؛

لا تَسأَلِ الدهرَ: ماذا سوفَ يَمنَحُني؟ سَلْهُ: بِماذا جَعَلتُ العُمرَ مِعمارَا؟

هل كُنتُ جِسراً لِمَن ضاقتْ مَسالِكُهُ؟ هل كُنتُ بَذراً، وهل أَطعمتُ مُحتارَا؟

هل مَرَّ بي وَجَعُ المَقهورِ مُنكسراً، فَمَسَحتُ عن وَجهِهِ المَجروحِ إِعصارَا؟

أَمْ عِشتُ أَجمعُ أَشياءً مُبعثَرَةً، وأَتركُ الرُّوحَ في أَطلالِها محتارة؟

إِنَّ الخُلودَ، وإنْ ضاقَتْ مَذاهِبُهُ، ليسَ الذي يَمنحُ الأَجسادَ أَعمارَا؛

الخُلودُ أَنْ تَزرعَ الإِنسانَ في زَمَنٍ، فَيُورِقَ الخيرُ في الآتينَ أَشجارَا.

أَنْ يَذكُرَ الناسُ، لا اسمَ الذي عَبَروا، بل أَنَّهُ مَرَّ، فَاستَحْيَوا وأَزهارَا.

وَأَنْ تَكونَ، إِذا ما غِبتَ، أُغنِيَةً تُقالُ سِرّاً، وتُحيي في الدُّجى نارَا.

حين يُصغي الأزلُ إلى الإنسان

سألتُ عَدَماً: هلِ الأَكوانُ مُنتهِيَةٌ؟ أَمْ أَنَّ خلفَ حُدودِ الصَّمتِ أَسْرارَا؟

فقالَ: ما زلتَ تَسألُ عن نِهايَتِنا، ولم تَسَلْ: مَنِ استَفْتى، ومَن أَثارَا؟

فقلتُ: مَن أَنا؟ قالَ الصَّمتُ مُبتَسِماً: أَنتَ السُّؤالُ الذي قد أَتْعَبَ الاقدارا…

وأَنتَ في لَحظةِ الإِدراكِ مُعجِزَةٌ، وأَنتَ في لَحظةِ الإِنكارِ أَستارَا.

فلا تُفتِّشْ عنِ الأَزَلِ البعيدِ، فَقَدْ يَكونُ أَعظمُ أَلاسرارا…

ولا تُفَتِّشْ عنِ المعنى وراءَ غَدٍ، فقد يُضيِّعُ مَن يَستَبعِدُ الحاضِرَ أَعمارَا.

عِشْ، لا لِتَغلِبَ أَيّاماً مُسافِرَةً، بل كي تَجعلَ من أَيّامِكَ أَقدارَا.

فليسَ يُخلَّدُ مَن يَبقى بلا أَجَلٍ، بل مَن أَقامَ مِنَ الإِنسانِ مِقدارَا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى