صحافة وآراء

هل تبدأ الحرب العالمية الثالثة من بولندا

د. أيمن أبو الشعر

رواسب العداء تاريخيا تعبر عن نفسها في تصريحات تحريضية، ما قد يسبب عمليا واجهة عالمية لا تبقي ولا تذر


تكوين إشكالي

في الواقع العملي تاريخيا لم تكن هناك دولة اسمها أوكرانيا قبل قرون، حيث يعتبر الأوكران أنهم بدأوا يتكونون كدولة منذ عام 882  ، ولكن ما تكون واقعيا آنذاك هو روسيا التي نشأت إمارتها قبل عشرين سنة في الشمال، ثم تم توحيد بعض الأراضي والشعوب السلافية في إمارة كييف روس التي يتوضح حتى من تسميتها أنها تعتمد على الكنه الروسي،  ثم خضعت حتى القرن 18 لدوقية ليتوانيا ثم لمملكة بولندا، وفيما بعد تقسمت بين الإمبراطورية الروسية والامبراطورية النمساوية، لكنها أخذت شكلها المتعارف عليه دوليا إبان الحكم السوفييتي ومنحها الزعيم السوفييتي خروشوف أوكراني الأصل شبه جزيرة القرم، ومن ثم أعلنت استقلالها عام 1991 فتحدد شكلها السياسي والجغرافي إلى أن نشأت الحرب الجديدة فضمت روسيا خمس مقاطعات بما فيها القرم عبر استفتاء شعبي باعتبارها أراض روسية تاريخيا ومُنحت للأوكران نتيجة وحدة البلدين في دولة واحدة، ومما له دلالته أن كلمة أوكرانيا تعني مناطق الأطراف أو مناطق الحدود حيث تشكلت غي أقصى الطرف الغربي لروسيا, أما بولندا فلها تاريخ صراع حاسم مع روسيا يمتد لقرون ويمكن أن يفسر مدى حدة التنافر بين البلدين الآن.

تنافر وحروب عبر قرون

المعروف أن حالات التنافر بين روسيا وبولونيا  قادت إلى صدامات مسلحة دامية، لعل أولها حرب كبيرة بينهما عرفت باسم الحرب الروسية البولندية واستمرت 13 عاما “1654- 1667” حول مناطق النفوذ بين الإمبراطورية الروسية والتحالف البولندي الليتواني، ثم تم تقسيم بولندا أواخر القرن الثامن عشر بين روسيا وبروسيا والنمسا حيث اختفت بولندا كدولة عن الخارطة السياسية، وحصلت روسيا على أراض واسعة آنذاك ما كرس قناعة البولنديين بأن روسيا ليست مجرد دولة جارة بل امبراطورية معادية، ومن جديد اشتعلت الحرب البولونية السوفييتية  1919- 1921 وخسرت بولندا أراض عديدة دخلت في قوام أوكرانيا وبيلاروسيا.

ثم عاد التناحر والمواجهات المسلحة أيام ألمانيا النازية التي غزت بولندا من جهة الغرب فتدخل الجيش الأحمر من الشرق، وتم عمليا تقسيم الأراضي البولندية بين الاتحاد السوفييتي وألمانيا النازية ومما له دلالته أن القوميين الأوكران بقيادة بانديرا -الذي اعتبرته أوكرانيا زمن يوشينكو بطلا قوميا-  قاتلوا مع النازيين ضد الجيش الأحمر إبان غزو القوات الهتلرية للاتحاد السوفييتي.

بولونيا تتصرف وفق عدائها لروسيا وليس حبا بأوكرانيا

هذه اللمحة التاريخية المكثفة توضح ان حالة العداء بين بولندا وروسيا الاتحادية لا تقل شراسة عن حالة العداء بين أوكرانيا وروسيا التي اضطرت للقيام بالعملية العسكرية الخاصة ليس نتيجة خلافات عابرة بل نتيجة بدْ حرب إبادة حقيقية بتوجيه القوات الأوكرانية لقصف دونباس عدة سنوات لأن الشعب هناك لم يرحب بانقلاب عام 2014 الذي قاده القوميون الأوكران، ومن هنا تنطلق بولندا في كثير من مواقفها من رواسب ذاك الصراع التاريخي وليس حبا بأوكرانيا التي يرجح أن تنشأ فيما بعد إشكالات جدية بينهما في النزاع على بعض المناطق الحدودية غرب أوكرانيا والتي تعتبرها بولندا تابعة لها او يجب تكون تابعة لسيادتها، ناهيك عن أن بولندا كانت لعشرات السنين تدور في فلك موسكو وعضوا رئيسيا في حلف وارسو الذي سمي باسم العاصمة البولندية، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي نفسه بدأ فتح الدفاتر القديمة في إذكاء حالة العداء التاريخي ما يمكن ان يفسر التصريحات النارية المتبادلة في الآونة الأخيرة.

الحرب في أوكرانيا مجرد ذريعة

بهذا المعنى تكون الحرب في أوكرانيا مطية وجسرا للتعبير عن حالة العداء المتأصلة لدى السلطات البولونية تجاه روسيا وتبدو التصريحات لدى الطرفين أعمق بكثير وليست تعبيرا عن خلاف سياسي حول الحرب في أوكرانيا وحسب بل وكأنها استقراء لاحتمال نشوب حرب “تدعو إليها بولونيا ولكن عبر الناتو معتبرة انه بقضه وقضيضه قادر أن يهزم روسيا بل وبسرعة.

فقد أعلن سيكورسكي وزير الخارجية البولندي أن أوروبا قادرة على مواجهة روسيا حتى دون مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية، وفي إطار استعراض العضلات أشار سيكورسكي إلى أن لدى الناتو ألاف الطائرات بما في ذلك “إف “35”  وصواريخ «JASSM» ، وقدرات واسعة لضربات بعيدة المدى، وتزاد هذه التصريحات خطورة من خلال الواقع الجغرافي فبولندا العضوة في الناتو تقع على الخط الشرقي للحلف جغرافيا في مواجهة روسيا وبيلاروسيا ما يفسر تزويد موسكو لبيلاروسيا مؤخرا بالسلاح النووي ووفق المبدأ المسرحي إن وضعت بندقية معلقة على الجدار في صدر المسرح فإنها ستطلق النار في نهاية المسرحية أو خلالها، وبولونيا تستطيع إيجاد استفزاز قد يجبر الناتو على تفعيل المادة الخامسة لدخول جميع أعضاء الناتو في الحرب على روسيا، وخير دليل على ذلك ان حادثة المسيرة التي وصلت على مطار لايبزغ دفعت ألمانيا إلى اتخاذ إجراءات حاسمة ضد روسيا دون أي دليل على أن المسيرة روسية بل يرجح أنها اوكرانية، ومع ذلك تم أغلاق القنصلية الروسية والمركز الثقافي الروسي في ألمانيا ما دفع موسكو لاتخاذ خطوات جوابية وفق مبدأ المعاملة بالمثل

الرد الروسي المزلزل

محاولة إخافة موسكو بأن بولونيا قد تخترع سببا يجعلها تشعل حربا تستدرج إليها الناتو كانت واضحة لممارسة أكبر ضغط على موسكو، خاصة أن السؤال يطرح نفسه لماذا قرر وزير الخارجية البولوني سيكورسكي التحدث باسم الناتو الذي له أمينه العام ” روته” والذي لا يوفر التعبير عن استعداد الناتو لردع روسيا، ويلفت النظر أن بولونيا تبدو ليست محرضة وحسب بل وكأنها مستعدة بالفعل لخوض القتال معتمدة على حجم الأسلحة الموجودة لدى 32 دولة فيه.

وجاء الرد الروسي الساخر الرهيب بآن معا على لسان باتروشيف مساعد الرئيس الروسي  الذي أعلن بوضوح أن الدولة البولندية قد تختفي من الوجود في غضون يومين أو ثلاثة  إن هي دخلت في مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا، لأن روسيا حسب باتروشيف ستستخدم إذ ذاك كامل ترسانتها العسكرية، وهكذا يصف الرد الروسي عمليا  سيكورسكي بأنه في تصريحاته هذه يبدو مجرد “هاو”  والأهم أن الدخول في مواجهة مع دولة نووية مثل روسيا سيؤدي إلى زوال الدولة البولونية، مع تركيز المسؤول الروسي في رسالة عامة إلى أوروبا بأن موسكو لا تعتزم بل لا ترغب في مهاجمة أحد أو خوض حرب ضد أي من الدول الأوربية أو دول الناتو.

من جهته أعلن وزير الخارجية الروسية لافروف أن الدول الأوربية تسعى في المقام الأول إلى الحفاظ على النظام النازي في أوكرانيا وهي تناقش صراحة خططا لنشر ما أسماه قوات التعبئة في الراضي التي تسيطر عليها كييف، ومع تشديده على ان موسكو ليس لديها أية نية أو مصلحة في شن هجوم على الدول الأوروبية أكد أن أي هجوم تشنه الدول الأوروبية على روسيا سيواجه برد يجعل الحرب قصيرة جدا، معبرا عن أمله في أن تكون العواصم الأوربية قد سمعت هذا التحذير وفهمته بجدية.

هل تغامر بولونيا بحرب تفنيها

من الشائع حتى في إطار الحكمة الشعبية أن الذي يصرخ ويلوح بقبضته من بعيد لا يكون مستعدا لخوض المعركة، ما يذكر بالمثل الشائع الكلاب تعوي والقافلة تسير، والغريب في الأمر أن روسيا التي عانت تاريخيا من التنمر عليها حتى من قبل بولندا ذاتها التي سيطرت على موسكو بداية القرن السابع عشر، وعانت من غزو الألمان في الحربين العالميتين الأولى والثانية، الغريب أنها تمد دائما يدها للأوربيين بحثا عن سبل تحسين العلاقات مع الدول الأوربية في حين تجنح هذه الدول وخاصة بولونيا وألمانيا لرفض المبادرات الروسية وتوجيه التهديدات باستمرار والتشكيك بالنوايا الروسية في حيت تتوجه هي إلى زيادة التسلح والعسكرة، حتى أن بوليانسكي مندوب روسيا الدائم لدى منظمة الأمن والتعاون الأوروبي اتهم علانية ألمانيا بأنها تهدف إلى تشكيل جبهة موحدة تقودها هي لمواجهة روسيا بحجج واهية مختلفة وأن النخبة الألمانية تفسد أية محاولات للتقارب ورأب الصدع في هذه العلاقات.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى